وصفت صحيفة" معاريف"، اليوم الأربعاء، الرسالة التي صدرت من دار زعيم الجمهور الحريدي الليتواني، الحاخام دوف لاندو، بأنها" استثنائية للغاية" بمقاييس العلاقة بين الحريديم ورئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو.
فبعد أن أوضح الأخير للأحزاب الحريدية أنْ لا أغلبية داخل الائتلاف لإقرار قانون التجنيد في هذه المرحلة، قرر الحاخام لاندو ضرورة العمل على حلّ الكنيست، وأضاف الجملة التي اعتبرت أنه" من الصعب التراجع عنها"، وفق الصحيفة، حين قال إن" كل أنواع الأحاديث عن التكتل لم تعد قائمة".
تصريح لاندو، يعكس بحسب الصحيفة أزمة ثقة عميقة بين نتنياهو وشركائه الحريديم وهي الأزمة الأشد بين الطرفين منذ سنوات.
فبعد" تمرد" حزب" أغودات يسرائيل"، انضمت أيضاً حركة" ديغل هتوراه" التي أعلنت تآكل ثقتها بنتنياهو؛ وبعدما كان التحالف السياسي يُعتبر الدعامة الأكثر استقراراً لنتنياهو، وأبرز أصوله السياسية، بات اليوم يترنح و" لم يعد استمراره أمراً بديهياً".
وذكرت الصحيفة أن الأحزاب الحريدية طالبت منذ اليوم الأول لهذه الحكومة بإقرار تسوية تضمن مكانة طلاب" اليشيفوت" (المدارس الدينية).
وقد وعد نتنياهو بمعالجة ذلك، لكن لحظة الحسم تكرر تأجيلها في البداية بسبب خطة" الانقلاب القضائي"، ثم بسبب الحرب، ولاحقاً بسبب الخشية من أن حتى قانوناً مخفف الصيغة لن ينجو من التصويت في الكنيست ولا من رقابة المحكمة العليا الإسرائيلية.
نتنياهو يفقد القدرة التنفيذية؟يلحظ حزبا" يهدوت هتوراه" و" شاس" (يمثلان الحريديم الغربيين، والشرقيين على التوالي)، بحسب الصحيفة، أمراً جديداً وهو أن نتنياهو لم يعد يملك القدرة التنفيذية ذاتها التي كان يتمتع بها في الماضي.
والسبب كما توضح أنه داخل حزب" الليكود" لم تعد هناك منذ زمن أغلبية مضمونة تؤيد قانون تجنيد بالصّيغة التي حلم بها الحريديم، وبالتأكيد ليس بعد السابع من أكتوبر(تشرين الأول/ 2023)، وبعد مئات أيام الخدمة الاحتياطية، وبعد التغير العميق في المزاج الإسرائيلي العام.
فحتى بين ناخبي اليمين التقليديين، بما في ذلك عائلات كثيرة للجنود النظاميين والاحتياطيين، تراجع منسوب التسامح مع أي تسوية قد تُعتبر إعفاءً شاملاً.
وفي الأشهر الأخيرة، راهن بعض الحريديم على خيار كسب المزيد من الوقت من خلال التأجيل الإضافي، أو البحث عن صيغة تسوية جديدة، أو حتّى محاولة تمرير قانون جزئي.
لكن تدريجياً اصطفّ الجميع خلف الموقف المتشدد لأدمور غور (حاخام تيار حسيدي غور المتشدد)، الذي طالب بالتوجه إلى انتخابات والتوقف عن الاكتفاء بالوعود؛ إذ ترى القيادة الحريدية، بحسب الصحيفة أن نهج نتنياهو استنفد نفسه.
ومع ذلك، لا يعني بالضرورة الخطابُ الحاد حول" موت التكتل" انفجاراً فورياً وخارجاً عن السيطرة.
فالسيناريو الأكثر ترجيحاً، بحسب" معاريف"، هو حلّ الكنيست بطريقة متفق عليها نسبياً، مع تنسيق موعد انتخابات يكون مقبولاً أيضاً عند نتنياهو.
وسيقوم الحريديم، بحسب الصحيفة، بتقصير مدة ولايته ببضعة أسابيع، وربما أقل من شهرين وبهذا سيقتصر الأمر على عقوبة سياسية، لكنها منخفضة الكلفة نسبياً.
على خلفية ما سبق، بدأ المعنى العملي للأزمة يتمظهر بالفعل في أروقة الكنيست.
ففي الأسبوع المقبل، من المتوقع أن تطرح المعارضة للتصويت مشروع قانون حلّ الكنيست، بعدما أُجّلت الخطوة هذا الأسبوع.
وطبقاً لـ" معاريف"، إذا مرّ القانون في القراءة التمهيدية، فسيُنقل إلى لجنة الكنيست، وهناك ستدور المعركة حول تحديد موعد الانتخابات.
وحتى قبل بضعة أيام، كانت إمكانية إجراء انتخابات في سبتمبر/أيلول تبدو بعيدة نسبياً.
أما الآن، فقد أصبحت تُعتبر سيناريو أكثر واقعية بكثير.
والسبب وراء ذلك كما تشير الصحيفة هو أنه ليس لدى الأحزاب الحريدية مصلحة في إطالة حملة انتخابية لأشهر طويلة، إذ لديها حساباتها السياسية الخاصة.
على مقلب نتنياهو، يُشكل تقديم موعد الانتخابات خطراً حقيقياً.
والسبب أنه لا يستطيع أن يكون واثقاً بالفوز، فيما قد تنهي الخسارة في الانتخابات حكمه وتقلّص كثيراً هامش المناورة لديه في مواجهة محاكمته الجنائية.
وبحسب الصحيفة، فما دام رئيساً للحكومة، هو يحتفظ بقوة سياسية وجماهيرية ومؤسساتية؛ أما في اليوم الذي يفقد فيه المنصب، فحتى إمكانية التوصل إلى تسوية مستقبلية، أو الحصول على عفو، أو التقاعد بشروط أكثر ملاءمة، فستصبح صعبة أكثر.
وعلى خلفية ما سبق، من المتوقع أن يحاول نتنياهو السيطرة على وتيرة الأحداث ومنع تدهور غير محسوب.
وحتى إذا مرّ مشروع قانون حلّ الكنيست، فسيظل أمامه هامش للتأثير على العملية من خلال لجان الكنيست، والمفاوضات مع الأحزاب الحريدية، ومحاولة تحديد موعد انتخابات يكون الأنسب له من الناحية السياسية.
وفي هذه المرحلة، أصبحت قدرة الأحزاب الحريدية على التأثير في قرار الذهاب إلى الانتخابات محدودة نسبياً.
فبعد أن انهارت الثقة بينها وبين نتنياهو علناً، بات من الصعب جداً إعادة المنظومة إلى سابق عهدها.
" اليوم التالي" للانتخاباتأمام كل ما تقدم، باتت الساحة السياسية الإسرائيلية تُدرك أن السؤال الأكبر انتقل إلى اليوم التالي للانتخابات: فهل ستكون الأحزاب الحريدية مستعدة للتوصية مجدداً بنتنياهو، وإعادته إلى سُدة الحكم؟وإلى جانب النقاش حول تقديم موعد الانتخابات، برز أيضاً قلق آخر في أوساط المنظومتين السياسية والأمنية، ويتعلق باحتمال اهتزاز ثقة الجمهور بنتائج الانتخابات.
وبحسب الصحيفة، ليس المقصود بالضرورة التزوير بالمعنى التقليدي للكلمة، بل أمور مثل حملات التأثير على الوعي، ونشر المعلومات المضللة، ومحاولات التأثير الأجنبية، والحملات التي تهدف مسبقاً إلى ضرب شرعية النتائج.
وفي هذا الصدد، لفتت إلى الدور الواضح لجهاز الأمن العام الإسرائيلي" الشاباك"، إذ إن القانون الذي ينظمُ عمل الأخير يكلّفه بالحماية من" الإرهاب" والتجسس، وكذلك بحماية مؤسسات الدولة والنظام الديمقراطي من التهديدات الداخلية والخارجية.
وفي ظل الوضع السياسي الحالي، فإن الحفاظ على نزاهة الانتخابات وثقة الجمهور بالعملية الانتخابية لم تعد مجرد مسألة تقنية تخص لجنة الانتخابات فقط، بل مهمة" أمنية- سيادية" بكل معنى الكلمة، وفقاً لتعبير الصحيفة.
إلى ذلك، اعتبرت الصحيفة أن أزمة قانون التجنيد تجاوزت منذ الآن مسألة الخدمة العسكرية نفسها بأشواط.
فقد تحولت إلى اختبار للتحالف بين نتنياهو والشركاء الذين استند إليهم حكمه لأكثر من عقد، وكذلك إلى اختبار للنظام السياسي بأكمله.
وتساءلت، هل سيتمكن من الوصول إلى انتخابات شديدة الحساسية من دون أن يؤدي الصراع على السلطة إلى تقويض إضافي لثقة الجمهور بقواعد اللعبة الديمقراطية؟ على حد تعبيرها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك