كشفت دراسة حديثة عن أن نحو نصف الباحثين عن العمل في المملكة المتحدة خضعوا لمقابلة باستخدام الذكاء الاصطناعي، ولفتت الدراسة، التي أجرتها منصة التوظيف" غرين هاوس"، إلى أن استخدام هذه التقنية لاختيار الموظفين لم يكن تجربة جيدة بالنسبة إلى كثير من المتقدمين، كما أن عدداً منهم انسحبوا عندما وجدوا أنفسهم أمام آلة ستحدد مصيرهم.
الاستطلاع شمل نحو 3 آلاف باحث العمل، من بينهم 1132 مقيماً في بريطانيا، إضافة إلى متقدمين للعمل عبر الإنترنت من الولايات المتحدة وألمانيا وأستراليا وإيرلندا، وقد أظهرت الأرقام أن 47 في المئة من عينة البحث أجروا مقابلات العمل مع الذكاء الاصطناعي، و30 في المئة بينهم انسحبوا من المقابلة احتجاجاً على الأمر، إن جاز التعبير.
عندما سأل المشاركون في الاستطلاع عن تجربتهم مع مقابلات العمل باستخدام تقنية" AI"، تضمنت الردود أوصافاً مثل" محرجة" و" مهينة"، وفيما يفضل بعضهم الجلوس أمام بشري مثلهم، يقول آخرون إنهم غير متأكدين بأن مقابلاتهم قد تمت مراجعتها من إدارة المؤسسة المعلنة للشاغر، وبالتالي ربما تكون جهودهم قد ذهبت هباء منثوراً.
تسوق منصة التوظيف أمثلة عن آراء المستطلع في شأن التجربة، فيقول أحدهم إنه يشعر بإحباط بعدما تقدم إلى 15 وظيفة، 10 منها قابله فيها الذكاء الاصطناعي، على رغم أن غالبية إعلانات التوظيف تتضمن إجراء خطوات تسبق المقابلة مثل تقييمات الشخصية، واختبارات حسابية، ورصد للمهارات، وجميعها تتم عبر الإنترنت" قبل أن تجلس أمام آلة".
شاهد آخر على هذا التحول في عمليات التوظيف بعد استعانة الشركات بالذكاء الاصطناعي، يقول إن معظم المؤسسات تعرض مقطع فيديو مسجل لشخصية تطرح أسئلة، وبعد كل سؤال يمنح المتقدم للوظيفة ما يصل إلى دقيقتين لتخطيط الرد، ثم ثلاث دقائق لتقديم الإجابة، وقد بدا له التحدث إلى كاميرا أمامه أمراً غريباً ومربكاً وخالياً من أي تفاعل.
تتراوح مدة المقابلات مع الذكاء الاصطناعي بين 10 دقائق إلى نصف ساعة، ويقول عنها أحد المشاركين في الاستطلاع: " لا تبدو حقيقية، وكأنك تنظر إلى مرآة وتتحدث إلى نفسك"، فلا يوجد تفاعل بشري كما يحدث في المقابلات العادية، إذ تتبع ملامح من يجلس أمامك، فتعرف إن كان كلامك يلقى استحسانه، أو أنك تبحر في الاتجاه الخاطئ.
واحدة ممن خاضوا التجربة، وهي عالمة تعيش في كامبريدج، قالت إنها وجدت مقابلة العمل مع التقنية التي غزت كل مجالات الحياة، " محرجة ومهينة"، فتوضح أنها بعد ملء نموذج عبر الإنترنت لشغل منصب علمي رفيع العام الماضي، بعثت بسيرتها الذاتية وخطاب التقديم، ثم دعيت إلى مقابلة مع الذكاء الاصطناعي لم تكن مناسبة للعمل أبداً.
قبل المقابلة، استأذنت الشركة من المتقدمة، إلكترونياً طبعاً، لاستخدام نظام مقابلة يعتمد على الذكاء الاصطناعي، لكنها لم تمنح الفرصة للاختيار بين البشر والآلة، وكانت أمام خيارين يتيمين، أولهما أن تقبل بلقاء التكنولوجيا الجديدة مجسدة بكاميرا وفيديوهات مسجلة مسبقاً، أو أن تفقد فرصة العمل في وظيفة تبدو ملائمة لها، وربما لن تجد مثلها.
تضمنت المقابلة خمسة أسئلة فقط، واستغرقت العملية برمتها نحو 10 دقائق، وجدت المتقدمة الأمر" محرجاً ومهيناً"، خصوصاً وأن" الأسئلة كانت عامة جداً، وتركزت على سلوك الموظف في مكان العمل، وبالتالي يمكن تطبيقها على عدد من الوظائف الأخرى"، وبعد نحو أسبوع، تلقت تعليقات عامة جداً، ورفضاً لا تعرف إن صدر عبر البشر أم الآلة.
مشارك آخر في الاستطلاع يتفهم حاجة الشركات لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مراجعة وفرز عدد كبير من الطلبات تتلقاه عندما تعلن الشاغر، لكن عند إجراء المقابلة الشخصية، التي عادة تكون آخر مراحل التقدم للعمل، فالمرشحون يوافقون على لقاء التقنية مجبرين، لأن البديل هو فقط التخلي عن وظيفة هم بأمس الحاجة إليها، وفق تعبيره.
واحد ممن أجروا مقابلة العمل مع الذكاء الاصطناعي، مصاب بالتوحد، ووصف الأمر بأنها" تجربة مروعة"، فالعملية استغرقت 20 دقيقة شعر فيها بإحراج كبير، لأنه واجه صعوبة بمواكبة الآلة في الوقت والنقاط التي تحددها الأسئلة، إذ إن قدراته لم تمكنه من مجاراة التقنية في نمط الاختبارات المقررة، والطريقة الواجبة لاجتياز المسألة.
مشارك آخر عانى تعامل الذكاء الاصطناعي مع وقفاته خلال الكلام، فكلما احتاج المتقدم إلى لحظة للتفكير في إجابته واستكمال حديثه، ظنت التقنية أنه انتهى ووجهت له سؤالاً جديداً، مما جعل معظم إجاباته منقوصة، وتعرض للرفض لأن خوارزميات الآلة في تحييد أو قبول الشخص تعتمد أساساً على صحة الأجوبة وفق المعايير المعدة مسبقة لها.
التفاعل البشري كان وسيبقى، ميزة مقابلات العمل الشخصية من وجهة نظر المشاركين في الاستطلاع، والطامة الكبرى عندما" ترضى بالهم، وهو لا يرضى بك"، كما يقول مثل شعبي، فتتعطل الآلة الناطقة بصوت الذكاء الاصطناعي خلال المقابلة، أو تتوقف الكاميرا عن تسجيل إجاباتك لسبب ما، أو تتعثر عملية احتساب التكنولوجيا للإجابة أو وقتها.
للأسباب سابقة الذكر، يسيطر التوتر على القادمين لمقابلات العمل مع الذكاء الاصطناعي، لكن ذلك لا يمنع من بعض الآراء الإيجابية تجاه التقنية الجديدة، إذ يعتقد بعض المشاركين في الاستطلاع أن الاستعانة بـ" AI" في الوظائف التي تتعلق بالمجال أمر طبيعي جداً، ولكن يمكن أن تكون الآلة محتاجة إلى قليل من التحسينات وتطوير الأدوات.
وفق بيانات منصة توظيف أخرى تدعى" سي في لايبراري"، فإن أربعة من خمسة مديرين في الأقل، باتوا يعتمدون واحدة أو أكثر من أدوات الذكاء الاصطناعي في ملء الشواغر لديهم، وبسبب استخدام هذه التقنية تحديداً فإن 40 في المئة من الباحثين عن عمل في المملكة المتحدة، تخلوا عن تقديم طلبات التوظيف أو فكروا في ذلك، وفق استطلاع للمنصة.
في مواجهة ارتفاع هائل في أعداد المتقدمين، يلجأ مسؤولو التوظيف إلى الذكاء الاصطناعي لفرز السير الذاتية، وإدارة الاختبارات أو تقييمها، وتدوين ملاحظات المقابلات أو حتى إجراء المقابلات نفسها، ووفقاً لبيانات منصة" تريباد"، ارتفع عدد الطلبات لكل إعلان وظيفي بنسبة 286 في المئة نهاية 2024، فصعدت من 13 إلى 49 طلباً.
في المقابل انخفض عدد الشواغر لكل 100 وظيفة إلى النصف تقريباً من 4.
1 إلى 2.
2 بين مايو (أيار) 2022 وفبراير (شباط) 2025، وفقاً لبيانات مكتب الإحصاءات الوطنية، وتقول دينا تايلور، المسؤولة في شركة" هيرفيو" للتوظيف، " لا يملك مدير معني في المجال، مساحة ذهنية أو وقتاً كافيين لقراءة كل السير الذاتية واتخاذ قرار صحيح".
تشدد تايلور على أن كل يوم يمر من دون شغل الوظيفة يتسبب بخسارة مالية للشركة، كما أنها تثير سؤالاً فحواه، هل تعتمد المؤسسات فقط على الذكاء الاصطناعي أم أن المتقدمين للعمل يلجأون أيضاً إلى هذه التقنية، ويجيب استطلاع" سي في لايبراري" على السؤال بأن الاعتماد على" AI" في إعداد وتقديم طلبات التوظيف يزداد كثيراً، كماً وكيفاً.
على رغم ذلك تشير" سي في لايبراري" إلى أن 72 في المئة من مديري التوظيف يرون أن الذكاء الاصطناعي يواجه صعوبة في تحديد التوافق المطلوب للعمل، و55 في المئة يجدونه ضعيفاً في تقييم المهارات الشخصية، ويشدد رئيس المنصة لي بيغينز، على أن استخدام هذه التقنية يجب أن يستخدم" لدعم ومساعدة الحدس البشري، وليس استبداله".
تشير أرقام" غرين هاوس" إلى أن 35 في المئة من أصحاب العمل يشعرون بأنهم يفقدون أفضل الموظفين بسبب افتقار الذكاء الاصطناعي إلى حدس بشري، لكن تايلور تعترض على الرقم وتعتقد أنه يستند إلى" تخمينات"، منوهة إلى أن إنجاح" AI" في التوظيف يحتاج إلى تكييفه لتقييم المهارات التي تبحث عنها كل شركة بدلاً من نهج واحد للجميع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك