بعد افتتاح الدورة الـ79 من مهرجان كان السينمائي، دخلت المدينة الفرنسية أيامها الأكثر ازدحامًا بالنجوم والعروض الأولى والرهانات الفنية، في موعد جديد مع واحد من أكثر المهرجانات حضورًا في الذاكرة الثقافية العالمية، حيث تختلط الصورة بالنجومية، والفن بالجوائز، والسينما بما يُحيط بها من أسئلة السياسة والحروب والتمثيل والعدالة.
وعلى امتداد 12 يومًا، من 12 إلى 23 مايو/ أيار الجاري، تتحوّل" كان" إلى منصة كبرى لأفلام جديدة وأسماء لامعة وسجادة حمراء لا تزال تحتفظ بسحرها القديم، رغم أنّ العالم الذي يُحيط بها لم يعد يُشبه كثيرًا العالم الذي صنعت فيه المهرجانات صورتها الذهبية الأولى.
فالحروب، وصعود خطاب الهويات، وتراجع نفوذ بعض الاستوديوهات الكبرى، وحضور النقاشات الحقوقية، كلها تجعل الدورة الجديدة أكثر من احتفال سينمائي عابر.
افتتاح فرنسي بنكهة نوستالجيةافتُتحت الدورة الجديدة بفيلم" La Vénus électrique" أو" The Electric Kiss" للمخرج الفرنسي بيار سلفادوري، وهو عمل قُدّم خارج المسابقة الرسمية، ويستعيد أجواء كوميدية رومانسية ذات نفس كلاسيكي، بمشاركة أناييس دموستييه، وبيو مارماي، وجيل لولوش، وفيمالا بونس.
اختيار فيلم افتتاح خفيف ومفعم بروح السينما يبدو مقصودًا في دورة تحمل كثيرًا من الأسئلة الثقيلة.
فالمهرجانات الكبرى غالبًا ما تُحاول بدء أيامها بصورة احتفالية، كأنها تمنح الجمهور والضيوف فرصة للدخول إلى عالم موازٍ، قبل أن تتكشف تدريجيًا طبقات المنافسة والنقاشات والاصطفافات.
وشهد حفل الافتتاح تكريم المخرج بيتر جاكسون بسعفة فخرية، في لحظة أعادت التذكير بقدرة" كان" على الجمع بين ذاكرة السينما الشعبية وصناعة الصورة العالمية، كما افتتحت جين فوندا وغونغ لي الدورة رسميًا، وسط كلمات ومواقف شددت على دور السينما في زمن الأزمات.
غير أن الافتتاح، مهما بدا ناعمًا، لا يلغي أن" كان" لم يعد مجرد مساحة للعروض والاحتفاء بالنجوم.
فكل فيلم يُختار، وكل شخصية تُكرم، وكل غياب هوليوودي أو حضور سياسي، يتحول إلى جزء من قراءة أوسع لدور السينما اليوم: هل تبقى فنًا مستقلًا قادرًا على قول شيء عن العالم، أم تتحول إلى واجهة براقة في سوق عالمي شديد التعقيد؟عودة المؤلفين وتراجع هوليوودتبدو دورة 2026 أقل اعتمادًا على وهج الأفلام الأميركية الضخمة، وأكثر ميلًا إلى سينما المؤلفين والأسماء التي صنعت علاقة طويلة مع المهرجانات.
فقد لاحظت تقارير سينمائية غيابًا لافتًا للنتاج الهوليوودي الكبير عن المنافسة، في مقابل حضور مخرجين من مدارس وتجارب مختلفة، بينهم بيدرو ألمودوفار، وريوسوكي هاماغوتشي، وآخرون من أصحاب الحضور المهرجاني البارز.
لا يعني ذلك أنّ النجومية غائبة، فالأسماء اللامعة لا تزال حاضرة، من آدم درايفر وسكارليت جوهانسون إلى رامي مالك وجون ترافولتا وباربرا سترايسند.
لكن المعادلة تبدو مختلفة: لم تعد هوليوود وحدها تصنع جاذبية" كان"، ولم يعد الفيلم التجاري الكبير شرطًا كي تتجه الكاميرات إلى الريفييرا الفرنسية.
هذا التحول يمنح الدورة الجديدة طابعًا أكثر سينمائية من حيث الرهان الفني.
فحين تتراجع الأفلام الضخمة، تتقدم الأعمال التي تراهن على الأسئلة واللغة والأسلوب والمخاطرة.
وقد يكون ذلك فرصة للمهرجان كي يستعيد جزءًا من صورته القديمة كمكان يكتشف الأفلام لا كمساحة ترويجية تسبق شباك التذاكر.
تتولى لجنة تحكيم المسابقة الرسمية هذا العام برئاسة المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان ووك، صاحب تجربة سينمائية حادة ومركبة، عُرفت بلغتها البصرية واشتغالها على العنف والذاكرة والرغبة والذنب.
وتضم اللجنة أسماء من خلفيات مختلفة، بينها ديمي مور، وروث نيغا، وكلوي تشاو، وستيلان سكارسغارد، إلى جانب لاورا فاندل، ودييغو سيسبيديس، وإسحاق دو بانكوليه، وبول لافيرتي، ما يمنح المنافسة عينًا متعددة على الأفلام الـ22 المتنافسة على السعفة الذهبية.
حضور بارك تشان ووك على رأس اللجنة ليس تفصيلًا عابرًا.
فاختيار مخرج آسيوي بارز يعكس اتساع الجغرافيا السينمائية التي باتت تفرض نفسها على المهرجانات الكبرى.
لم تعد المركزية الأوروبية الأميركية وحدها تحدد معنى الفيلم المهم، إذ باتت السينما الكورية واليابانية والإيرانية واللاتينية وغيرها طرفًا أساسيًا في صناعة الذائقة العالمية.
في المقابل، تحمل لجنة التحكيم دائمًا سؤالًا آخر: أي سينما ستكافأ؟ السينما الجريئة سياسيًا؟ السينما المُتقنة فنيًا؟ الأعمال التي تلتقط مزاج اللحظة؟ أم تلك التي تذهب أبعد من اللحظة وتبني أثرًا طويلًا في الذاكرة؟يصعب على مهرجان مثل" كان" أن ينجو من السياسة، حتى عندما يعلن انحيازه الأول إلى السينما.
فالمهرجان وُلد في جزء من تاريخه من رغبة في حماية الفن من هيمنة سياسية على مهرجانات أخرى، ثم تحول مع العقود إلى مساحة يظهر فيها ما يخفيه العالم أحيانًا خلف البروتوكول.
اليوم، تأتي دورة 2026 في ظل عالم مثقل بالحروب والتوترات، من غزة إلى أوكرانيا، ومن صعود اليمين في أوروبا إلى أزمات الهجرة والهوية وحرية التعبير.
وحتى عندما لا تكون الأفلام مباشرة في تناولها لهذه القضايا، فإنها تُقرأ داخل هذا السياق.
فالصمت يصبح موقفًا، والحضور يصبح إشارة، والغياب يثير الأسئلة.
وقد ظهر هذا الحضور السياسي منذ اليوم الأول، مع تصريحات ومداخلات لأعضاء في لجنة التحكيم تناولت العلاقة بين الفن والسياسة، وأدوار السينما في زمن النزاعات، وحدود الصمت أمام القضايا الكبرى.
ما يجعل" كان" حاضرًا كل عام ليس السجادة الحمراء وحدها، رغم قوتها الرمزية.
فالبريق جزء من اللعبة، والفساتين والصور والنجوم يصنعون واجهة يحتاجها المهرجان كي يبقى حدثًا عالميًا.
لكن خلف هذه الواجهة، هناك صناعة تبحث عن شكلها الجديد في زمن المنصات، وتراجع القاعات، وتغيّر عادات الجمهور، وصعود المؤثرين كجزء من اقتصاد الصورة.
تعكس دورة هذا العام أيضًا تحولات الصناعة نفسها، حيث يتجاور صناع السينما التقليديون مع أسماء من عالم الموضة والمنصات الرقمية وصناعة المحتوى، في مشهد يطرح سؤالًا أوسع: هل لا يزال المهرجان بيتًا للسينما وحدها، أم صار معرضًا عالميًا لكل ما تنتجه ثقافة الصورة؟ومع ذلك، يبقى" كان" محتفظًا بقدرته على صناعة القيمة.
فالفيلم الذي يمر من هنا لا يخرج كما دخل.
قد يحصل على موزع، أو يفتح طريقه إلى الجوائز، أو يتحول إلى ظاهرة نقدية، أو يثير نقاشًا يتجاوز حدود القاعة.
ولهذا تحديدًا، يبقى المهرجان واحدًا من المواقع النادرة التي لا تزال تمنح الفيلم معنى رمزيًا يفوق أحيانًا أرقامه التجارية.
ماذا تقول السينما عن عالم مرتبك؟تمضي دورة 2026 إذًا بين صورتين: صورة احتفالية على السجادة الحمراء، وصورة أخرى أقل لمعانًا لعالم يتجادل حول الحرب والحدود والعدالة والهوية.
وبين الصورتين، تحاول السينما أن تجد مكانها: لا كترف منفصل عن الواقع، ولا كمنشور سياسي مباشر، وإنما كفن قادر على تحويل القلق إلى حكاية، والخسارة إلى صورة، والأسئلة الثقيلة إلى تجربة جمالية قابلة للمشاهدة.
قد يخرج من هذه الدورة فيلم كبير، أو نجم جديد، أو سجال سياسي، أو لحظة رمزية تبقى عالقة أكثر من الجوائز نفسها.
لكن المؤكد أن" كان" يمضي هذا العام في زمن لا يسمح للصورة بأن تكون بريئة بالكامل.
فكل لقطة على السجادة الحمراء تقابلها أسئلة خارج القاعة، وكل احتفاء بالسينما يرافقه سؤال عمّا يمكن للفن أن يقوله عندما يصبح العالم أكثر اضطرابًا.
هكذا يمضي مهرجان كان 2026 في أيامه الأولى: احتفالًا كبيرًا بالسينما، واختبارًا جديدًا لقدرتها على أن تبقى جميلة من دون أن تدير ظهرها لما يحدث حولها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك