على مدى نحو خمسة وثلاثين عاماً، ظلّ سكان العاصمة اليمنية صنعاء يمرّون بمحاذاة التجمع السكني الكائن خلف شركة" سبأفون"، بالقرب من شارعي الزبيري وعشرين، حيث تقيم عشرات الأسر من فئة المهمشين (المعروفين شعبياً بالأخدام) في تجمع يُعرف باسم" المحوى".
ويُعد هذا التجمع واحداً من أبرز مظاهر السكن الهش داخل المدينة، إذ يتكون من عشش وخيام بسيطة شُيّدت من الأخشاب والصفيح وأغطية بلاستيكية، في ظروف معيشية تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات السكن اللائق.
خلال تلك العقود، عاش سكان" المحوى" في أمن نسبي رغم قسوة الظروف المعيشية لهذه الفئة المصنفة ضمن أدنى شرائح السلم الاجتماعي في اليمن.
غير أن هذا الهدوء تبدد ظهر يوم الثلاثاء، إثر اندلاع حريق هائل بشكل مفاجئ داخل التجمع السكني.
وبسبب طبيعة المواد المستخدمة في بناء العشش، انتشرت ألسنة اللهب بسرعة كبيرة، ما جعل السيطرة عليها أمرا بالغ الصعوبة.
وفي غضون دقائق، تحولت المساكن البسيطة إلى رماد، وسط حالة من الذهول والصدمة التي خيمت على السكان، الذين عجزوا عن إنقاذ مدخراتهم البسيطة.
ومع تصاعد ألسنة اللهب، تدافع سكان المحوى للنجاة بأرواحهم، إلا أن كثافة الحريق حالت دون خروج الجميع بسلام، حيث سقط خمسة جرحى أصيبوا بحروق متفاوتة ونُقلوا إلى مستشفى الجمهورية لتلقي العلاج، وفقاً لمصادر طبية ومحلية.
سعيد، أحد أبناء" المحوى" الذين فقدوا مساكنهم، قال لـ" العربي الجديد": " نحن نسكن هنا منذ أكثر من 30 عاماً، ونعيش حياة مستقرة داخل العشش، ولم نتعرض لأي مضايقات إلا في السنوات الأخيرة، حيث كان يأتي إلينا مسلحون يطالبوننا بمغادرة المحوى بهدف السيطرة عليه.
وفوجئنا بهذا الحريق الذي بدأ بصوت انفجار، ثم اتسع بسرعة حتى التهم كل ما نملك من خيام وممتلكات".
هذه الشكوك حول طبيعة الحادث عززتها شهادة هزاع الذي تحفظ على ذكر اسمه الكامل لدواعٍ أمنية، وهو من أبناء المنطقة الذين شاركوا في محاولات الإخماد، حيث قال لـ" العربي الجديد": " كان الحريق يتوسع بسرعة غير طبيعية بين العشش، وكنا نحاول إخماده بوسائل بسيطة، لكننا فوجئنا بأصوات انفجارات، وبتصاعد كثل كثيفة من الدخان الأسود التي ملأت سماء صنعاء".
ويضيف هزاع متسائلاً عن سرعة انتشار النيران: " وقع الحادث وسط صنعاء، ومع ذلك ظللنا لساعات نحاول الإنقاذ دون وصول أجهزة الدفاع المدني، وهو ما يطرح تساؤلات عما إذا كان الحريق مفتعلا، خاصة وأن حجمه وسرعة انتشاره لا يمكن تفسيرهما باحتراق العشش فقط، كما أن الدفاع المدني لم يحدد في بيانه سبب الحريق رغم مرور أكثر من 24 ساعة".
من جانبها، أفادت مصلحة الدفاع المدني في بيان الثلاثاء، بأن فرقها تمكنت من إخماد الحريق الذي اندلع في حي الزبيري بمديرية معين، والسيطرة عليه ومنع امتداده إلى المنشآت المجاورة.
وأوضح مدير فرع الدفاع المدني بأمانة العاصمة، العقيد محمد بهيش، أن الحريق نشب في عدد من العشش المأهولة بالسكان، مشيراً إلى أن سرعة الاشتعال تعود إلى المواد البلاستيكية (الطرابيل) المستخدمة في البناء.
وأكد بهيش أن الأجهزة الأمنية باشرت التحقيق لمعرفة ملابسات وأسباب الحريق.
ورغم وصول فرق الإطفاء، إلا أن سكان المحوى أكدوا أن النيران كانت قد التهمت معظم خيامهم، مشيرين إلى أن وسائل الدفاع المدني غالباً ما تواجه صعوبة في الوصول إلى أزقة التجمعات العشوائية المزدحمة.
وفي سياق التعليق على الحادثة، قال الناشط الحقوقي حمدي الصلوي، لـ" العربي الجديد"، إن فئة المهمشين في اليمن تعد الحلقة الأضعف داخل المجتمع اليمني، ويتم التعامل معها بازدراء يمنع عنها أبسط حقوقها، لذا لم تبادر السلطات الحاكمة في صنعاء حتى الآن بتوفير بدائل لسكان المحوى الذين باتوا بلا مأوى، ما يستدعي من المنظمات الدولية القيام بدورها تجاه عشرات الأسر المنكوبة التي تعرضت لكارثة حقيقية، كما تجب على المنظمات الدولية ممارسة الضغط من أجل إجراء تحقيق شفاف يكشف ملابسات الحادث التي تدور حوله الكثير من التساؤلات".
بعد إخماد النيران، لم يتبق للعائلات المنكوبة سوى الوقوف على رماد متناثر في أرجاء المحوى، بعدما فقدت ممتلكاتها البسيطة.
وباتت عشرات الأسر، من أطفال ونساء، في العراء دون مأوى، وسط مناشدات عاجلة للمنظمات الإغاثية والإنسانية للتدخل السريع وتوفير مأوى بديل للمتضررين الذين فقدوا كل شيء في ليلة واحدة.
وتُعد فئة المهمشين في اليمن، والمعروفين شعبيا بـ" الأخدام"، من أكثر الفئات الاجتماعية عرضة للإقصاء والتمييز الطبقي المتجذر منذ قرون.
ويعيش أفراد هذه الفئة في تجمعات سكنية عشوائية تُسمى" المحاوي"، تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة والخدمات الأساسية.
وتتميز هذه الفئة بملامحها الأفريقية وبشرتها الداكنة التي جعلتها هدفاً لتمييز اجتماعي يحصر نشاط أفرادها في المهن الخدمية الشاقة والمنبوذة اجتماعياً، مع حرمان شبه كلي من فرص التعليم والتمثيل السياسي أو الاندماج الحقيقي في نسيج المجتمع اليمني، مما جعلهم الحلقة الأضعف في مواجهة الأزمات والحروب.
وفي العاصمة صنعاء، تتوزع هذه التجمعات العشوائية وسط الأحياء الحديثة أو على أطراف المدينة، حيث يبرز محوى حي الزبيري في قلب العاصمة خلف شركة سبأفون واحداً من أقدم هذه التجمعات، إلى جانب تجمعات واسعة في منطقة عصر غربا، وأحياء الجراف وسعوان والروضة شمالا وشرقا، فضلاً عن المناطق المحيطة بـباب اليمن وحارة السد في صنعاء القديمة.
وتتسم هذه المحاوي بطابع عمراني هش، حيث تُبنى الأكواخ والعشش من مواد الأخشاب والخردة والكرتون والطرابيل البلاستيكية، ما يحوّل هذه المناطق المزدحمة إلى قنابل موقوتة تهدد حياة الآلاف من المهمشين الذين يواجهون خطر الحرائق والأوبئة في ظل تجاهل رسمي لأوضاعهم الحقوقية والمعيشية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك