حذّرت الرئيسة السابقة لقسم الأخبار في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ديبورا تورنيس من التهديد الوجودي الذي باتت تشكّله" صحافة صنّاع المحتوى" على المؤسسات الإعلامية التلفزيونية التقليدية، مع عزوف الجمهور عن متابعة نشرات الأخبار التقليدية.
وقالت تورنيس، التي استقالت من" بي بي سي" أواخر العام الماضي، إنّ القطاع الإعلامي يمرّ بـ" لحظة اضطراب كبيرة" في ظلّ" انهيار" معدلات متابعة الأخبار التلفزيونية التقليدية، مضيفةً أنّ متابعة صحافة قائمة على الشخصيات الفردية عبر منصات رقمية مثل" يوتيوب" و" تيك توك" و" سابستاك" تحلّ تدريجياً محل وسائل الأخبار التقليدية، ورأت أن هذا التحوّل قد يكون" أكبر من دخولنا العصر الرقمي أو حتى صعود وسائل التواصل الاجتماعي"، مشيرةً إلى تخلي نحو أربعة ملايين شخص عن استعمال التلفزيون مصدراً للأخبار خلال السنوات الماضية، فيما تضاعف عدد الذين يحصلون على أخبارهم عبر" يوتيوب" ثلاث مرات، أما من يعتمدون على" تيك توك" فقد زاد عددهم عشرة أضعاف.
جاء كلام تورنيس خلال محاضرة السير ديفيد نيكولاس التذكارية في لندن أمس الثلاثاء بحسب ما نقلته صحيفة ذا غارديان البريطانية، وذلك في أوّل ظهور علني لها منذ استقالتها من" بي بي سي" على خلفية الجدل الذي أثير حول تعديل خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إحدى حلقات برنامج بانوراما، والتي دفعت بالأخير إلى تقديم دعوى ضدّ الهيئة البريطانية.
وتحمل المحاضرة التي تقام للمرة الثانية اسم رئيس تحرير قناة أي تي إن ديفيد نيكولاس الذي توفي عام 2022، وهو أحد رواد الصحافة التلفزيونية في بريطانيا.
ولفتت تورنيس إلى أنها أمضت الفترة التي تلت مغادرتها" بي بي سي" في دراسة نمط جديد من الصحافة التي تقوم على المذيع الذي يخاطب المشاهد مباشرة، وتتعارض مع" الأسلوب المصقول والمنضبط الذي يشكّل جزءاً أصيلاً من هوية الإعلام التقليدي"، ورأت أنّ ثقة الجماهير بمقدمي البرامج الأفراد هي الدافع وراء ابتعادها عن القنوات التقليدية، مشيرةً إلى شخصيات مثل جو روغان الذي يملك 20.
9 مليون مشترك على" يوتيوب" وتاكر كارلسون وميغين كيلي ومهدي حسن الذين يحظون بمتابعة ملايين الأشخاص على المنصة نفسها.
وقالت تورنيس: " أعتقد أن الإعلام التقليدي لم يواجه بعد الحقيقة الصعبة، وهي أن هذه الثورة لا تتعلق فقط بانتقال الجمهور إلى منصات مختلفة، بل باختيارهم أشكالاً أكثر مباشرة من الصحافة"، وأكدت أن" صحافة صنّاع المحتوى ليست هامشيةً، بل تنتقل بسرعة لتحلّ موقعاً مركزياً"، مضيفةً أنّها الجواب على التساؤلات التي استمرت لسنوات حول النموذج الذي" سيحلّ محل نموذج الإعلام الإخباري الجماهيري القائم على البث".
ورأت مديرة الأخبار السابقة في" بي بي سي" أن على المؤسسات الصحافية أن تسعى إلى بناء علاقة مباشرة بين الصحافيين والجمهور، كما يفعل صناع المحتوى، مع إقرارها بوجود تناقض بين الآراء الحادة لدى الكثير من مقدمي المحتوى الرقمي ومبادئ الحياد التقليدية التي تقوم عليها الأخبار التلفزيونية، وأضافت أن اللقاءات التي عقدتها مع صحافيين ومديرين في مؤسسات إعلامية عزّزت قناعتها بأن المؤسسات الإخبارية ستضطر إلى" منح صحافييها مساحةً أكبر من الحرية" في الفترة المقبلة.
وختمت تورنيس: " الحقيقة القاسية هي أنه، رغم كل هذا الابتكار، لا تزال معظم المؤسسات الإخبارية الكبرى منظَّمة وفق منطق البث التلفزيوني، بحيث تُتخذ القرارات الأساسية بعقلية تعتبر البث أولوية.
لكنني أرى أنه إذا أرادت وسائل الإعلام التقليدية الازدهار، أو حتى مجرد البقاء، فعليها أن تبدأ من المكان الذي يوجد فيه الجمهور".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك