تتسارع وتيرة التقدم التكنولوجي بعلاقة طردية مع عمر البشرية، وطرأ الكثير من التغيير على المفاهيم والمصطلحات في شتى المجالات، ولم يكن المجال التربوي بمنأى من ذلك التطور، فمنذ تأسيس المدرسة ببنائها ومعناها المؤسسي النظامي الرسمي وكادرها من المعلمين والإداريين على يد هوارس مان سنة 1837م (Horace Mann) بعد تطورها عبر الحضارات القديمة طرأ تغيير على كثير من المفاهيم والمصطلحات ذات العلاقة بالعملية التعليمية.
اضافة اعلانومنذ تاريخ إنشاء البناء المدرسي بشكله الحالي: النموذج الياباني وتكون فيه الفصول الدراسية متقابلة ضمن سقف واحد كما هو الحال ببناء مدارس الغوث الدولية للاجئين، والنموذج (الأميركي البريطاني)، والذي يكون على شكل حدوة الفرس أو حرف (U) بالإنجليزية بفضاء مفتوح، لم يطرأ أي تغيير على ذلك البناء منذ أكثر من 188 عاماً، ويراودنا السؤال التالي:هل ما زال البناء المدرسي قادراً على الوفاء بالتزاماته، ومهيأً لاستيعاب البرامج الدراسية الحديثة، ويراعي حاجات الشرائح المختلفة من الطلبة منهم الموهوبين والمتفوقين ببرامجهم الموجهة كبرامج مهارات التفكير العليا (حل المشكلات، والتفكير الناقد، والتفكير الإبداعي) وبرامج ذوي الإعاقة كبرنامج التعليم الدامج، والتعلم بالمشاريع وغيرها؟لقد توسّع اليوم الدراسي للطلبة بتعدد المناهج الحديثة فأصبحت الحص الدراسية رغم كثرة عددها عاجزة عن تغطية تلك المناهج التي تحمل بطياتها الكثير من المعلومات، مما اضطر المسؤولين إلى زيادة عدد الحص وأصبحت الغرفة الصفية لا تلبي متطلبات تلك المناهج، وضاقت المدرسة بازدحام البرامج المستحدثة، فأثقلت كاهل المعلمين والطلبة بتوابعها من واجبات منزلية ومتطلبات تعجز المدرسة والأسرة عن الوفاء بها، وأصبحت الصورة العامة للمدرسة ودورها غير واضحة الرؤية والرسالة، وفي الوقت نفسه لا غنى للمدرسة عن تلك البرامج لمواكبة التطورات واللحاق بركب الدول المتقدمة.
لا ننكر دور البرامج الإثرائية والعلاجية وتنوعها وأثرها الإيجابي على تنمية التفكير وتوسع مجاله، وكسر الروتين الدراسي، ولكن المشكلة تكمن في: إدارة الوقت، والبناء المدرسي الحالي.
أصبحت المدارس تئن تحت وطأة كثرة الالتزامات وباتت الشكوى العنوان الأبرز لدى الطلبة والمعلمين وأولياء الأمور لضعف ناتج التوقعات التي علّقت الآمال على مخرجاتها.
يسابق المختصون الزمن للبحث عن طوق نجاة يعيد للمدرسة ألقها، ويجعلها تتسع لكل جديد مفيد، ولكن ذلك التطلع لا ينسجم لضعف فيزيائية البناء المدرسي الحالي لما يتم استحداثه من برامج تفوق طاقته سواء الاستيعابية أو التنظيمية، فالخروج عن المألوف واستغلال التفكير الإبداعي هو ما يتطلبه الموقف للخروج من هذا المأزق والبحث عن نموذج بناء مدرسي عصري يواكب كل هذه التطلعات ويلبي متطلبات تلك البرامج، ولربما يكمن الحل في النموذج المقترح الآتي (المدرسة الثمانية):يتكون هذا النموذج من شكل ثمانيّ بحيث يكون في كل ضلع قاعة دراسية تتسع لـ 60 طالباً وشاشة عرض بالإضافة إلى السبورة (البيضاء أو السوداء)، ومعلم مساعد لمعلّم المادة، ومسرح صفي، وتكون هذه القاعة مخصصة لمادة واحدة تحتوي الوسائل التعليمية التي تخص هذه المادة (مختبر تعليمي)، وتكون المقاعد على شكل مجموعات تضم خمسة من الطلبة تتوسطها طاولة دائرية، يمكن من خلال هذه الجلسة تنفيذ العديد من طرق وأساليب التعليم، مثل: التعلم التعاوني، والتعلم بالمشاريع، والعصف الذهني، والألعاب الذكية.
ومن ناحية انفعالية يمكن تبادل دور قائد المجموعة بين أعضائها لتنمية تقدير الذات لدى الطلبة، يتنقل الطلبة بين تلك القاعات خلال اليوم الدراسي.
تكون للمواد التالية غرف مستقلة: التربية الرياضية، والفنية، والمهنية، وغرفة مصادر التعلم، والمكتبة، والمقصف المدرسي، والمسجد، في الساحات الخارجية للمبنى المدرسي.
تظهر فوائد هذا النظام الحديث في عدة جوانب منها: كسر الروتين اليومي للطالب واليوم الدراسي الطويل، تهيئة الطلبة لنظام الدراسة الجامعية، التزود بأكبر قدر ممكن من الوسائل التعليمية - بصرية، وسمعية، ولمسية، وحركية - في كلّ قاعة تدريسية لتعطينا هوية صورية عما يدور بداخلها، واستغلال الجانب التكنولوجي بالاقتصاد على ثماني قاعات والاستفادة القصوى منها، بالإضافة إلى الحيوية والنشاط الذي سيدب في نفس الطلبة خلال التنقل من قاعة إلى أخرى، والاستغناء عن الكتاب المدرسي الورقي بتوفير حاسوب لوحي (Tablet PC) لكل طالب؛ لتحقيق رؤية الثورة الصناعية الرابعة، وتطبيق التعليم المدمج، وبذلك تكون الصورة قد اكتملت.
إن مثل هذا النموذج للبناء المدرسي الحديث سيغير النظرة إلى التعليم بصورة إيجابية ويعيد للمدرسة بريقها ورونقها، ويضاهي النظام الجامعي، ويحفّز كلا من المعلم والطالب وولي الأمر على العمل بجد واجتهاد ضمن منافسة شريفة في بيئة مدرسية آمنة وجاذبة يتوفر فيها التصميم والتخطيط للبيئة المدرسية المادية بمعايير هندسية دقيقة تأخذ بالحسبان المؤثرات الصوتية والبصرية (موقع، صفوف، ساحات، مرافق)، والمؤمل من هذا التصميم توفير بيئة تعليمية عصرية، وتكون لنا بصمة مميزة في مجال التعليم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك