الأب.
الرجل الذي لا يغيبفي كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر الأم، وفي كل مرة يُكتب فيها عن التعب، تُذكر الأم.
الأغاني، الروايات، القصائد، المشاهد الدرامية، كلها تعرف جيدًا كيف تُبكي الناس على الأم، وكيف تُعظّم حضورها في الذاكرة والوجدان، وهذا حق لا جدال فيه.
لكن السؤال الذي يمر بصمت دائمًا:ذلك الرجل الذي يعيش بيننا كالجدار الثابت، نراه كل يوم، لكننا ننسى أن خلف هدوئه ألف معركة، وخلف صمته ألف خوف، وخلف ملامحه المتعبة عمرا كاملا قضاه وهو يحاول ألا نسقط.
الأب غالبًا لا يعرف كيف يشرح مشاعره، ولا يجيد التذمر من التعب، ولا يطلب الاحتواء كما تفعل الأم، يعود مرهقًا ثم يجلس وكأن التعب جزء طبيعي منه، يؤجل رغباته كي لا تنقصنا الأشياء، يتحمل قسوة الحياة وحده، فقط ليُبقي البيت مطمئنًا.
وربما لهذا السبب تحديدًا لا ينتبه له أحد.
لأن الأب لا يشتكي، نظن أنه لا يتألم، ولأنه قوي، نتعامل مع حضوره وكأنه أمر مضمون لا ينتهي.
ننسى أن الرجال أيضًا تتعب، وأن الآباء يكبرون بصمت، وأن ذلك الرجل الذي كان يبدو لنا سندًا لا يهتز قد يحمل في داخله خوفًا من المستقبل، وضغطًا من المسؤوليات، ووحدة لا يعترف بها.
الأب ليس مجرد شخص يدفع الفواتير أو يفتح الأبواب المغلقة، الأب وطن صغير.
الأمان الذي لا نتحدث عنه كثيرًا، لكنه يختفي فور غيابه.
هو اليد التي تسند العائلة دون أن تطلب التصفيق، والصوت الذي يطمئن الجميع بينما هو أكثرهم قلقًا.
بعض الآباء لا يعرفون التعبير بالكلمات، لكنهم يقولون الحب بطريقة مختلفة:حين ينتظرون عودة أبنائهم متأخرين دون نوم، حين يعملون فوق طاقتهم كي لا يشعر أبناؤهم بالنقص، حين يخفون ضيقهم المادي خلف ابتسامة عابرة، وحين يشيخون بسرعة لأنهم قضوا أعمارهم يحمون الآخرين.
المؤلم أننا غالبًا لا نكتشف قيمة الأب إلا بعد أن يتعب، أو يمرض، أو يرحل.
فجأة ندرك أن البيت لم يكن كما كنا نظن، وأن الطمأنينة التي كنا نعيشها كانت شخصًا، لا مكانًا.
ليس المطلوب أن نقلل من مكانة الأم حتى نعطي الأب حقه، فالأم عظيمة وستظل كذلك، لكن العدالة العاطفية أيضًا مهمة.
الأب يستحق أن يُحتفى به، أن يُقال عنه كلام جميل وهو حي، أن يسمع الامتنان قبل أن يتحول إلى صورة معلقة على الجدار.
أحيانًا كل ما يحتاجه الأب رسالة بسيطة، جلسة صادقة، دعوة من القلب، أو شعور بأنه لم يقضِ عمره كله في الظل.
فبعض الرجال (الآباء) لم يكونوا قساة، هم فقط تعلموا أن الحب مسؤولية، لا بالكلام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك