أُسدِل الستار، الأحد الماضي، على الدورة الـ31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب في الرباط الذي يُشرف على تنظيمه قطاعُ الثقافة في وزارة الشباب والثقافة والتواصل؛ دورةٌ أعادت إلى الواجهة أزمة تسيير الشأن الثقافي في المغرب، ورسّخت صورة المعرض لحظةً موسميةً عابرةً من دون حمولة ثقافية حقيقية.
قد لا يكون من المبالغة القول إنّ معرض الرباط بات أحد المؤشّرات الدورية على أزمة السياسات العمومية في المغرب، وفي مقدّمتها السياسة الثقافية التي يُفترض أنّها بمثابة جسر ينقل الفعل الثقافي من نخبويته إلى ما يستجدّ داخل المجتمع من قضايا وأسئلة، هذا إضافةً إلى دورها المعلوم في تعزيز قيم الإبداع والحرّية، وصون حقّ مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية في الوصول إلى الموارد الثقافية.
أوّل ما يلفت الانتباه في برنامج معرض الرباط تكرار أسماء بذاتها، بصورة تتعارض مع تنوّع المشهد الثقافي في المغرب.
من غير المعقول ألّا يعكس البرنامج ثراء الثقافة المغربية وتنوّع مكوّناتها، ويرتهن، في المقابل، لـ" حيتان الثقافة" المقيمة في محور الرباط - الدار البيضاء، التي راكمت قسطاً غير يسير من نفوذ ثقافي، بات يسمح لها بالتحكّم في اقتراح أسماء وبرمجتها، وتجاهل أخرى وإقصائها لأنّها فقط لا تمتلك علاقات نافذة مع مواقع القرار الثقافي بمختلف مستوياته التنظيمية والثقافية.
من المفروض أن تحتكم الجهة أو الجهات التي تضع البرنامج الثقافي إلى الحدّ الأدنى من العدالة المجالية والثقافية، وأن تُوسِّع وعاء التمثيلية داخل بنية المعرض المغلقة.
للأسف، لا توفّر شُعب السوسيولوجيا في الجامعات المغربية مسالكَ لدراسة الظاهرة الثقافية باعتبارها فعلاً اجتماعياً تحكمه جدليات الصراع والهيمنة والاعتراف والإدماج والإقصاء والتهميش، ويخضع لعلاقات قوةٍ يتداخل فيها الاجتماعي بالرمزي والإبداعي.
ليس الإبداع مجرّد إنتاج فردي رمزي، بقدر ما هو أيضاً فاعلية اجتماعية، تتبدّى من خلال شبكة من الفاعلين والنافذين والوسطاء والموالين، الذين هم في الظاهر (الواقع) كُتّاب ونقّاد ومترجمون وإعلاميون وأصحاب دور نشرٍ ورؤساء مؤسّسات ثقافية ومسؤولون سابقون في مؤسّسات وجمعيات أخرى، يُشكّلون ما يُشبه" الدولة العميقة" في قطاع الثقافة، بما يحوزونه من تأثير في غير شأن يخصّ البرمجة الثقافية للمعرض.
لا يعكس الحال الذي أصبح عليه معرض الرباط، في الدورات الماضية، قصوراً تنظيمياً فقط، بل هو أيضاً تجسيد حيّ لما يسميه بيير بورديو بـ" صراع السلطة والهيمنة داخل الحقل الثقافي"؛ صراع (خفيّ) محتدم ودائم على الموارد الرمزية والمادية والشرعية الثقافية.
من هنا التساؤلُ بشأن المعايير المُعتمَدة في تكرار أسماء بعينها، دون غيرها، في برنامج معرض الرباط؛ هل هي جودة ما تَكتب؟ هل هي إقامتها في محور الرباط - الدار البيضاء بعيداً من الجغرافيات المغربية غير المركزية، بما يتيحه لها ذلك من حيازة موارد ثقافية مختلفة؟ هل يتعلّق الأمر بمعايير على صلةٍ بخيار هذه الأسماء (المكرورة) في الاصطفاف مع معسكر بعينه في الأزمة التنظيمية التي يشهدها اتحاد كتّاب المغرب منذ سنوات؟" خلود" أسماء بعينها في منظومة معرض الرباط يسيء إلى الثقافة المغربية، وينتج وضعاً ثقافياً هجيناً، تتلاشى فيه الحدود بين وظيفة التنظيم وبرمجة فقرات المعرض وتنسيقها واقتراح الأسماء المشاركة، من جهة، والمشاركة الثقافية من موقع الكاتب والمنتج، من جهة أخرى.
إنّها حالاتُ تنافٍ سافرةٌ تخلط الحابل بالنابل في المعرض، وتُحوّله إلى موسم سنوي لترسيخ هذا الوضع، وقبر أيّ محاولة جادّة لجعله فرصةً لترسيخ الوعي بأهمية فعل القراءة، وترسيخ التنوّع الثقافي في أبعاده الإبداعية والفكرية والجمالية، وإغناء النقاش العمومي بشأن دور الثقافة في مجابهة التحدّيات التي تواجه مغرب اليوم.
أصبح معرض الرباط للكتاب والنشر فضاءً مغلقاً منذ سنوات، والقول إنّ دورة هذه السنة سجّلت أرقاماً غير مسبوقة من حيث عدد الزوار لا يغيّر من واقع الأمر شيئاً في ظلّ افتقاد إدارته المهنيةَ الكافية، والحسَّ الثقافي والوعيَ بضرورة تمثيلية ثقافية متوازنة تعكس التمايزات الأدبية والفكرية والجيلية والمجالية.
ولذلك، بات قطاع الثقافة مدعوّاً، أكثر من أيّ وقت مضى، إلى وقفة تأمّل ومراجعة لآليات تدبير المعرض، بما يحرّره من الحسابات الضيّقة وغير الثقافية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك