في ذروة الحمى التي تجتاح أسواق التكنولوجيا العالمية، يعود اسم مايكل بيري إلى الواجهة مجددا، لا كونه متنبئا ماليا عابرا، بل بوصفه الرجل الذي سبق أن رأى الشقوق الدقيقة في جدار الاقتصاد الأميركي قبل انهيار العام 2008، بينما كان الجميع يحتفلون بازدهار زائف.
اليوم، يكرر بيري التحذير نفسه تقريبا، لكن هذه المرة تجاه طفرة الذكاء الاصطناعي التي ترفع أسهم شركات التكنولوجيا إلى مستويات قياسية، دون أن تنجح حتى الآن في إثبات قدرة حقيقية على تحويل هذا الإنفاق الهائل إلى أرباح تشغيلية مستدامة.
التحذير يستحضر تلقائيا شبح فقاعة شركات الإنترنت في مطلع الألفية، حين اندفعت الأسواق وراء أحلام الشبكة العالمية قبل أن تصطدم بحقيقة أن التقييمات المالية سبقت الواقع بسنوات.
الفارق الوحيد أن الفقاعة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا وأشد تشابكا مع الجغرافيا السياسية؛ لأن من يمولها هذه المرة ليس فقط وادي السيليكون، بل أيضا خزائن الخليج العربي.
في الأيام الأخيرة، كشف السفير يوسف العتيبة عن أن الإمارات تسلمت دفعة من الرقائق الإلكترونية المتقدمة من شركة إنفيديا لصالح G42؛ بهدف تأسيس مركز حوسبة هائل يقود المشروع الإماراتي في الذكاء الاصطناعي.
ولم يكن ذلك مجرد استثمار تقني، بل إعلان ضمني عن تشكل محور جديد تقوده شركة مايكروسوفت التي اختارت الاصطفاف خلف المشروع الإماراتي، مدفوعة بحاجتها إلى أسواق وسيولة وشركاء قادرين على تمويل البنية التحتية المكلفة لهذا السباق المحموم.
في المقابل، تتشكل على الضفة الأخرى معادلة مختلفة تقودها شركة آي بي إم بالشراكة مع أرامكو السعودية، بعدما أعلنت الشركة الأميركية في مؤتمرها السنوي للعام 2026 عن مساعٍ واسعة لرقمنة عمليات أرامكو باستخدام الذكاء الاصطناعي، في حضور قيادات سعودية رفيعة.
هكذا يبدو المشهد أقرب إلى إعادة رسم لخريطة النفوذ التكنولوجي العالمية: مايكروسوفت والإمارات في ناحية، وآي بي إم والسعودية في ناحية أخرى، بينما تقف شركات الرقائق العملاقة في قلب المعركة كونها المزود الرئيس لوقود الثورة الجديدة.
لكن ما يجري يتجاوز مجرد تنافس على التكنولوجيا.
فالاستثمارات الخليجية الضخمة أصبحت عمليا أحد الأعمدة التي تمنع اهتزاز سوق الأسهم الأميركية، خصوصا قطاع الشركات التكنولوجية الكبرى الذي يواصل الصعود بالرغم من الحروب والتباطؤ الاقتصادي وارتفاع أسعار الفائدة.
السيولة الخليجية هنا لا تمول فقط مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية، بل تشتري أيضا وقتا إضافيا لشركات الذكاء الاصطناعي كي تثبت أن منتجاتها قادرة على توليد أرباح حقيقية قبل أن يفقد المستثمرون صبرهم.
السعودية بدورها لا تكتفي بدور الممول.
فصندوق “آلات” الذي أطلقه صندوق الاستثمارات العامة السعودي يسعى لتحويل المملكة إلى مركز عالمي للإلكترونيات والصناعات المتقدمة، بينما يراهن نموذج “عالم” السعودي على امتلاك سيادة تقنية عربية في النماذج اللغوية الضخمة.
أما الإمارات فتدفع عبر MGX وشركة مبادلة للاستثمارات نحو بناء نفوذ عابر للقارات في الرقائق والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع تطوير نموذج “فالكون” الذي أصبح أحد أبرز النماذج مفتوحة المصدر عالميا.
ومع ذلك، يبقى السؤال معلقا فوق الأسواق كقنبلة موقوتة: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يتحول سريعا إلى ماكينة أرباح حقيقية، أم أن العالم يعيش فقط على نشوة توقعات مبالغ فيها؟ الإجابة لم تتضح بعد.
لكن المؤكد أن الخليج لم يعد مجرد ممول للطفرات الاقتصادية العالمية، بل أصبح لاعبا مركزيا يملك القدرة على تأجيل الانفجار، أو المشاركة في صناعة النظام التكنولوجي الجديد إذا نجح الرهان.
* كاتب مصري وخبير بالاقتصاد الرقمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك