ويمتد الفيلم لنحو 20 دقيقة، ويوثق بالصوت والصورة حالة الصمت المفروض على الفلسطينيين داخل الخط الأخضر منذ النكبة وحتى اليوم، من خلال مقاربة إنسانية تعتمد على الشهادات الصوتية والمواد الأرشيفية.
شهادات صوتية وذاكرة أرشيفيةواختارت المخرجة أن تجعل الصوت العنصر المركزي في العمل، عبر جمع رسائل صوتية أرسلها فلسطينيون من خلال تطبيقات التواصل، يعبّرون فيها عن مشاعر وأفكار لا يجرؤون على قولها علنًا.
وأرفقت هذه التسجيلات بصور أرشيفية تعود إلى سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي، إلى جانب مشاهد حديثة من شوارع حيفا ومنطقة الجليل.
وكان الفيلم قد عُرض سابقًا ضمن فعاليات مهرجان هوت دوكس، حيث سلّط الضوء على أثر الاعتقالات والتحقيقات وسياسات الترهيب في تقليص حضور الفلسطينيين داخل الفضاء العام.
من تجربة شخصية إلى فيلم وثائقيواستضاف برنامج" ضفاف" عبر شاشة العربي 2 المخرجة الفلسطينية عايدة قعدان، قبل يومين من سفرها إلى فرنسا للمشاركة بفيلمها القصير.
وقالت قعدان، في حديثها من بلدة باقة الغربية، إن مشروع الفيلم القصير بدأ كتجربة اجتماعية خلال الأسابيع الأولى من الإبادة في قطاع غزة، لفهم مشاعر الفلسطينيين في الداخل، ورصد الخوف والصمت والتشرذم داخل المجتمع الفلسطيني.
وأضافت أنها طلبت من المشاركين إرسال تسجيل صوتي يوميًا عند الساعة الثامنة مساءً، وخلال الاستماع إلى عشرات التسجيلات أدركت أن هناك حاجة لتحويل هذه التجربة إلى فيلم يوثق" صوت المدينة" و" صوت ما لا يُقال".
وأوضحت أن التناقض بين الصوت والصورة في الفيلم كان مقصودًا لإبراز فكرة الغياب الفلسطيني عن الحيز العام، مشيرة إلى أن الفلسطيني داخل أراضي 1948 بات يشعر تدريجيًا بأنه" يختفي" أو" يُمحى" من المشهد العام.
وعن عنوان الفيلم" سيجيء يوم آخر"، قالت إنه مستوحى من قصيدة للشاعر الفلسطيني محمود درويش، مضيفة أن كلمة" سيجيء" تحمل دلالة الحتمية، أي أن اليوم القادم سيأتي رغم الصعوبات.
وأكدت قعدان أن الصمت الفلسطيني" سينكسر حتمًا"، وأن الفن والسينما يشكلان مساحة لمقاومة التهميش وإعادة تقديم الرواية الفلسطينية من أصحابها الحقيقيين.
وقالت المخرجة الفلسطينية إن مشروع فيلمها الوثائقي" سيجيء يوم آخر" بدأ كمحاولة لبناء علاقة أقوى مع مجتمعها الفلسطيني في الداخل، بعيدًا عن" أفعال الحكم أو جلد الذات"، مشيرة إلى أن تجربة جمع التسجيلات الصوتية استمرت حتى يوليو/ تموز 2024.
وأضافت قعدان أنها أدركت، خلال العمل على المشروع، أن" هناك هوية فلسطينية داخل كل فلسطيني"، حتى لدى من يعرّفون أنفسهم بصفات أخرى، معتبرة أن هذا الاكتشاف منحها شعورًا بالأمان وقرّبها أكثر من مجتمعها في الداخل الفلسطيني.
السينما كمساحة للرواية الفلسطينيةوحول أهمية المشاركة في مهرجان كان السينمائي، أوضحت أن العرض الأول للفيلم في مهرجان هوت دوكس كان مفاجئًا بالنسبة لها، خاصة أن الفيلم انطلق من شمال أميركا وهو يحمل" هوية فلسطينية مركبة" كثيرًا ما يجري تهميشها أو تغييبها في السياق العام، سواء سياسيًا أو سينمائيًا.
وأكدت أن وجود فنانين ومخرجين ومنتجين فلسطينيين في محافل سينمائية عالمية، وخصوصًا في مهرجان كان، يمثل تأكيدًا على أهمية سماع الرواية الفلسطينية من أصحابها مباشرة، مضيفة أن الفن والمهرجانات لا يروّجان للأعمال الفنية فقط، بل يسهمان أيضًا في تعزيز الرواية الفلسطينية وتقديمها عالميًا.
كما أشارت إلى أن الحضور الفلسطيني في المهرجانات يفتح نقاشًا أوسع حول معنى التضامن، وكيفية دعم فن فلسطيني" غير كولونيالي".
وعن التوازن بين البعد السياسي والبعد الفني في السينما، قالت قعدان إن مشروع الفيلم دفعها إلى إعادة التفكير في دورها كمخرجة، خاصة في ظل مشاهد الحرب والإبادة التي باتت تُشاهَد يوميًا عبر الهواتف والشاشات.
وأضافت أنها بدأت تتساءل عن وظيفة السينما والإخراج في مثل هذا الواقع، وعن ضرورة إعادة قراءة المضامين والأفكار التي تربّت عليها فنيًا وثقافيًا.
واعتبرت أن الجيل الجديد من المخرجات والمخرجين الفلسطينيين يشكل جيلًا" قويًا ومبدعًا"، مؤكدة احترامها الكبير للتجارب السينمائية الفلسطينية الجديدة التي تحاول صياغة خطاب مختلف حول الهوية والذاكرة والمقاومة الفنية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك