هذه ليست المرّة الأولى التي يُتداوَل فيها اسم" هانتا" إعلامياً، إذ تُسجَّل من حين إلى آخر تفشيات محدودة لواحد من هذه الفيروسات في مناطق مختلفة من العالم.
لكنّ المستجدّ اليوم هو البعد العالمي لرصد فيروس أنديز، أحد فيروسات هانتا حيوانية المنشأ، على متن سفينة سياحية أُجبرت على وقف رحلتها في المحيط الأطلسي وإجلاء ركابها، البالغ عددهم نحو 150 ما بين مسافرين وأفراد طاقم من 23 بلداً، في جزيرة تينيريفي كبرى جزر الكناري، تحت إشراف مباشر من منظمة الصحة العالمية وبتنظيم من الدولة الإسبانية التي استنفرت أجهزتها كافة لإنجاح هذه العملية الدقيقة.
في ما يأتي، يحاول" العربي الجديد" اختصار حكاية هانتا، ولا سيّما ما يرتبط بفيروس أنديز المرصود أخيراً، في أربع محطات تاريخية على مدى نحو خمسة عقود؛ من عام 1978 حتى عام 2026.
بعد الحرب الكورية التي اندلعت في يونيو/ حزيران من عام 1950، بين جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية (الشمالية) المدعومة من الاتحاد السوفييتي وبين جمهورية كوريا (الجنوبية) المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية، التي انتهت بهدنة بين الطرفَين في يوليو/ تموز من عام 1953 والتي أُصيب في خلالها أكثر من ثلاثة آلاف جندي من قوات الأمم المتحدة بما عُرف بـ" الحمّى النزفية الكورية"، راحت تُجرى أبحاث لاكتشاف العامل المسبّب لهذا المرض الذي عُدّ حينها" غامضاً" ولا سيّما أنّ مصدره مجهول.
وفي عام 1976، تمكّن العلماء من تحديد العامل، قبل أن يُصار إلى عزله بعد عامَين لدى واحد من قوارض الحقول الصغيرة؛ فأر الحقول المخطط (أبوديموس أغراريوس) الذي التُقط بالقرب من نهر هانتان.
وهكذا، أُعلن عن فيروس" هانتان" في عام 1978، وقد أُطلقت عليه هذه التسمية نسبة إلى هذا النهر في كوريا الجنوبية.
يُذكر أنّ الحالة المرضيّة الناجمة عن العدوى بهذا الفيروس، الذي راح يُعرَف لاحقاً باسم" هانتا" وصار يضمّ مجموعة من الفيروسات، كانت قد وُصفت قبل ذلك بعقود، تحديداً في ثلاثينيات القرن العشرين بالصين وفي خمسينياته بكوريا، وفقاً لبيانات المعهد الوطني الفرنسي للصحة والبحوث الطبية (إنسرم).
1996: هانتا ينتقل بين البشر عبر أنديزبعدما كانت العدوى بفيروس هانتا محصورة بالانتقال من القوارض المصابة به إلى البشر، سُجّل اختراق بارز في علم الأوبئة في عام 1996؛ فقد تأكّدت الحالة الأولى لانتقال هانتا من إنسان إلى آخر من خلال فيروس أنديز أحد فيروسات هانتا المتوطّن في الأرجنتين.
أتى ذلك في خلال تفشٍّ سُجّل ببلدة إل بولسون الواقعة في منطقة باتاغونيا، ووُصف الأمر حينها بأنّه نادر، وما زال الخبراء متمسكّين بأنّ الانتقال بين البشر نادر.
وتسبّب ذلك التفشّي في" متلازمة هانتا الرئوية القلبية" التي تُعَدّ مرضاً تنفسياً حاداً وعالي الخطورة، مع معدّل وفيات مرتفع يصل في بعض الحالات إلى 60%، ووُثّقت حينها 16 إصابة بالعدوى من خلال انتقال ثانوي بين البشر عبر سوائل الجسد أو الرذاذ المحمول جوّاً.
وهكذا، من خلال ما اكتشفه الباحثون عن قدرة فيروس أنديز على الانتشار عن طريق الاتصال المباشر من شخص مصاب إلى آخر معافى، دُحضت الفرضيّة التي كانت تحصر العدوى بفيروسات هانتا، المقدّرة بنحو خمسين فيروساً، بالانتقال من القوارض إلى البشر من خلال لعابها أو بولها أو برازها.
ودفع الأمر إلى إعادة تقييم مخاطر انتقال فيروس هانتا بأنواعه، ولا سيّما فيروس أنديز.
2018: " رعب أنديز" في الأرجنتينكان حفل عيد ميلاد حضره نحو مئة شخص في عام 2018، في بلدة إيبوين الصغيرة بمنطقة باتاغونيا الأرجنتينية، كفيلاً بأن يكون نقطة انطلاقٍ لأوسع تفشٍّ مرصود حتى حينه لفيروس أنديز من فيروسات هانتا، علماً أنّ الأهالي ما زالوا يصفون ما عاشوه بـ" المرعب".
فقد نَقل مصاب بمتلازمة هانتا الرئوية القلبية العدوى إلى عدد من الموجودين في الحفل، وقد صُنّف منذ ذلك الحين أخطر تفشٍّ للعدوى بفيروس أنديز في البلدة، إذ انتقل الفيروس إلى 34 شخصاً، قضى منهم 11 مريضا من كلّ الفئات.
وحدّدت السلطات الصحية في الأرجنتين المزارع فيكتور دياز" المريض صفر"، مع العلم أنّه تعافى من المرض وعُدّ" ناجياً" في حين توفيت زوجته بعد إصابتها بالعدوى.
يُذكر أنّ السلطات الصحية فرضت حينها إجراءات عزل صارمة على المصابين وحجراً صحياً على مخالطيهم، استمرّت حتى عام 2019، الأمر الذي جعل من الممكن السيطرة على انتشار الفيروس.
واليوم، يستعيد سكان تلك البلدة الصغيرة، ولا سيّما الناجين من الوباء، ما عاشوه من" رعب"، بحسب ما يُعبّرون عنه اليوم في تقارير إعلامية تحاول رصد ردّات فعلهم بعد الإعلان عن إصابة السفينة السياحية في المحيط الأطلسي بفيروس هانتا أخيراً.
2026: هانتا يهدّد نحو 150 مواطناً من 23 بلداًفي الرابع من مايو/ أيار 2026، أصدرت منظمة الصحة العالمية أوّل تقرير لها عن بؤرة محتملة لفيروس هانتا على متن السفينة السياحية" إم في هونديوس"، التي تشغّلها شركة" أوشن وايد إكسبيديشنز" الهولندية المتخصّصة في الرحلات البحرية الاستكشافية، والتي كانت قد انطلقت من أوشوايا في الأرجنتين في الأوّل من إبريل/ نيسان 2026 ووجهتها الرأس الأخضر.
أتى ذلك عقب عملية رصد للفيروس بين ركابها البالغ عددهم نحو 150، من المسافرين وأفراد طاقم السفينة.
وفي الـ13 من الشهر الجاري، أعلنت المنظمة أنّ سلالة الفيروس المكتشفة بين الحالات المؤكدة المرتبطة برصد هانتا على متن السفينة هي أنديز، الوحيدة القابلة للانتقال بين البشر.
كذلك أكدت أكثر من جهة صحية، ولا سيّما المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها، ما سبق أن أعلنته وزيرة الصحة الإسبانية مونيكا غارثيا بشأن عدم توفّر مؤشّرات على تحوّر في فيروس أنديز بين الحالات المرصودة على متن السفينة.
وتستمرّ التحقيقات للتأكّد من هويّة" المريض صفر"، الذي يُرَجَّح أن يكون عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد؛ فهو كان أوّل الذين سُجّلت لديهم أعراض الإصابة بمتلازمة فيروس هانتا التنفسية وأوّل المتوفّين نتيجة هذه العدوى.
كذلك يمضي الباحثون في تقصّي المعلومات التي من شأنها حسم موقع التقاط العدوى بفيروس أنديز، أحد فيروسات هانتا المنتشرة في أميركا الجنوبية، ولا سيّما في الأرجنتين وتشيلي.
ففي حين تشير المعطيات إلى أنّه في مكبّ للنفايات في أوشوايا الأرجنتينية حيث كان ليو وميريام يراقبان طائر كركار (أشبور) أبيض الحنجرة، المعروف كذلك باسم" كاراكارا داروين"، تشكّك السلطات الصحية المحلية بهذه الفرضيّة، لافتةً إلى أنّهما توقّفا في محطّة سابقة من رحلتهما في تشيلي، حيث ينتشر الفيروس كذلك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك