جدل واسع يشهده الشارع المصري، منذ بدء العدوان الأمريكي- الإسرائيلي على إيران بشكل خاص، حول آل البيت، وأضرحتهم، والتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بهم، زيارتهم، التبرك بهم، إلى غير ذلك من تفاصيل، بلغت حد التكفير هنا، والدروشة الصوفية هناك، وهو الجدل الذي تتزايد حدته، بتزايد وتيرة الحرب، أو توسيع رقعتها وأمدها، عطفاً على الانحياز الشعبي للجانب الإيراني، المتيم بالأضرحة عموماً، مؤزراً بتأييد واضح من الأزهر والأوقاف معاً، مقابل عقيدة وهابية تستنكر ذلك السلوك، تلقي ظلالها على السلفيين بشكل خاص، وجماعات الإسلام السياسي بشكل عام.
الأمر لم يعد يخلو من قلق، يصل حد الخوف من صدام متوقع، على أعتاب هذه الأضرحة بين المتشددين على الجانبين، خصوصاً بعد أن تطور الأمر من أزمة دينية مزمنة وكامنة، إلى مواجهة سياسية خرجت للعلن، في الوقت الذي يميل فيه الاتجاه الرسمي إلى الجانب الصوفي، الذي يحمل على عاتقه احتفالات الأضرحة السنوية، والتوسل بآل البيت بشكل عام، ذلك أن شيخ الأزهر الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب، ينتمي لهذا الفصيل، ثم جاء تعيين الدكتور أسامة الأزهري، وزيراً للأوقاف، ليضيف إلى الاتجاه نفسه، ذلك أنه من أقطاب الطرق الصوفية، شكلاً وموضوعاً.
مشروع ثوري وتاريخي يفرض نفسه الآن، على الإدارة المصرية، يتعلق بمزيد من الاهتمام بأضرحة الأولياء عموماً، وأضرحة آل البيت بشكل خاص، وقد بدا أنه انتقل إلى طاولة البحث والنقاشمشروع ثوري وتاريخي يفرض نفسه الآن، على الإدارة المصرية، يتعلق بمزيد من الاهتمام بأضرحة الأولياء عموماً، وأضرحة آل البيت بشكل خاص، وقد بدا أنه انتقل إلى طاولة البحث والنقاش، من خلال خبراء السياحة والأمن والاقتصاد والحكم المحلي والمجتمعات العمرانية، إضافة إلى الأزهر بالتأكيد، ولا أحد غير الأزهر، فيما يتعلق بالشق الديني، ذلك أن المتطرفين عموماً، تحكمهم الأهواء والروايات الضعيفة، التي سوف تتصدى للتوجه الجديد، رغم جدواه الكبيرة، على كل المستويات، الاقتصادية والدينية والسياسية والاجتماعية.
في البداية تجدر الإشارة، إلى أنه يوجد في مصر الكثير من أضرحة آل بيت النبوة، يوجد معظمها في المنطقة بين مسجدي السيدة زينب، والسيدة نفيسة، رضي الله عنهما، بمنطقة مصر القديمة بالقاهرة، بخلاف آخرين في مناطق مختلفة، يتقدمهم ضريح ومسجد الإمام الحسين، رضي الله عنه وأرضاه، وباعتبار أن الشوارع والحارات والأزقة، وحتى الميادين التي توجد فيها هذه المساجد والأضرحة، أصبحت وستظل من أكثر المناطق ازدحاماً واكتظاظاً بالسكان في بر مصر، فإن الأمر كان يقتضي، التفكير خارج الصندوق، بما يضمن للزائر الأمن والسكينة من جهة، وبما يضمن للدولة المصرية الاستفادة سياحياً ومادياً من جهة أخرى.
من هنا جاءت الدراسات، التي تتلخص، في تحديد أحد المواقع بالصحراء، على غرار ما تم مع العاصمة الإدارية، لإنشاء مدينة خاصة بآل البيت، وبعض الأولياء والصحابة، رضوان الله عليهم، تليق بهم، لنقل كل أو معظم الرفات إلى هناك بمساجد، على غرار المساجد الحالية المشار إليها، وأضرحة قد تكون أكثر لياقة، لاستقبال الزائرين من داخل وخارج مصر، بسلاسة وراحة، تتناسب مع قدسية وجلال الزيارة، بدلاً من ذلك الصخب والهرج والمرج الحاصل الآن، الذي لا يليق أبداً بمصر كوجهة سياحية.
في هذه الحالة، نحن نتحدث عن توقعات بعدد من الزوار من خارج مصر شهرياً، يزيد على المليوني شخص، ومن الداخل مثلهم على أقل تقدير، بما يتطلب إنشاء عدد كبير من الفنادق الفاخرة والمتوسطة، إضافة إلى الشقق الفندقية، وما يتطلبه ذلك من عدد كبير من المطاعم والمحلات التجارية، إلى غير ذلك من متطلبات الحياة، لما يصل إلى نحو 50 مليون شخص، على مدار العام، ما يعني أن السياحة الدينية وحدها ستكون منافساً لمعظم البلدان المشهود لها، ولنا في زيارة العتبات المقدسة بالعراق العبرة، رغم الفارق الكبير بين الحالتين المصرية والعراقية.
وهنا تجدر الإشارة إلى عدة نقاط:أولاً: تخفيف الضغط عن وسط القاهرة، وعن القاهرة بشكل عام، سواء ما يتعلق بالشوارع، أو المساكن، أو الفنادق، أو وسائل المواصلات، إلى غير ذلك.
ثانياً: الخلاص من ظاهرة التسول، المشينة، الشائعة حول مساجد وأضرحة آل البيت بشكل خاص، وكل الظواهر السلبية في هذه المناطق، بعد فشل جهود مقاومتها، على امتداد عقود طويلة.
ثالثاً: تقديم مصر بشكل راق للسائح المحلي والأجنبي على السواء، ليس فيما يتعلق بزيارة الموقع المراد فقط، إنما في الإقامة والطعام والمعاملة والتنقلات، وجميعها أمور يفتقدها الوضع الحالي.
رابعاً: نحن أمام دخل قومي، بالعملة الأجنبية، يفوق كل دخل سياحة الآثار والشواطئ مجتمعة، من أقصى البلاد إلى أقصاها، مع الوضع في الاعتبار، عملية بيع المنتجات المصرية الدينية في هذه الحالة، والرواج التجاري المنتظر بشكل عام.
خامساً: فتح صفحة جديدة في العلاقات مع كل الطوائف الإسلامية حول العالم، خصوصاً من إيران وباكستان وأفغانستان وتركيا، وكل دول الاتحاد السوفييتي السابق، وسلطنة عمان، وتونس وليبيا والجزائر والمغرب، وعدد كبير من الدول الافريقية.
وفي كل الأحوال، ستشرف مشيخة الأزهر، من خلال لجنة متخصصة، على الشعائر الدينية في مجمل المدينة الجديدة، في الوقت الذي يُتوقع فيه إسهام مالي كبير من عدد من الدول المشار إليها في تنفيذ هذا المشروع، إضافة إلى المؤسسات الدينية في هذه الدول، واستثمارات رجال الأعمال، ناهيك من شركات السياحة والطيران، والشركات التجارية المختلفة.
وفي هذا الإطار سيتم توزيع الموالد السنوية لآل البيت والأولياء، على الشهور والأسابيع، على مدار العام، بمعنى أن 52 أسبوعاً في العام، يمكن خلالها إقامة 52 مولداً، بمعدل مولد كل أسبوع، أو كل خميس وجمعة، بحيث يضمن الزائر في أي وقت وجود فعاليات وشعائر، يمكنه ترتيب تاريخ وجوده على أي منها، حسبما يريد ويختار، ويغلق بذلك باب الأزمات الأمنية التي تعاني منها معظم المحافظات سنوياً، نتيجة الزحام على مثل تلك الشعائر.
في الوقت نفسه، تجدر الإشارة إلى أن أمر زيارة مدينة آل البيت في هذه الحالة، لن يكون قاصراً على الزوار المسلمين فقط، ذلك أنه من المنتظر أن تتضمن برامج السائحين الأجانب، زيارة ولو سريعة إلى المدينة التي ستصبح حديث العالم، لما تحمله من رسالة حب ومودة بين الطوائف الإسلامية المختلفة من جهة، ورسالة سلام إلى العالم أجمع، الأمر الفريد من نوعه، ليس في العالم الإسلامي فقط، بل في العالم ككل.
ولأن الأمر كذلك، فلم يكن ممكناً في الماضي، التعامل مع مثل هذه الدراسات بجدية، حيث القوة المفرطة لجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إقليمياً، وليس في المملكة العربية السعودية فقط، أما وقد تراجع نفوذها، فإن أمر الأضرحة والموالد وطقوس الذكر، لم تعد من الأمور المنهي عنها، أو التي تجد مقاومة، خصوصاً عندما تتعلق في الجانب المصري، بتنشيط السياحة وتنمية الاقتصاد، والدخل القومي، إلى غير ذلك من إيجابيات واضحة.
وكان استقبال الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، لقادة طائفة البهرة، أكثر من مرة، والاحتفاء بهم، خلال السنوات الأخيرة، دلالة أخرى، وهي طائفة شيعية إسماعيلية، مركزها الهند، وقد سمح لهم بالتبرع والإشراف على تجديد العديد من مساجد وأضرحة آل البيت، ليس في القاهرة فقط، وهو الأمر الذي أثار امتعاض الطوائف السلفية على وجه الخصوص، وجماعات الإسلام السياسي عموماً، مع الوضع في الاعتبار أن الطرق الصوفية بمختلف ألوانها، لا تهتم بالشأن السياسي بأي حال، أو بمعنى أدق: ليس لها تطلعات سياسية، فهي تتعامل بالولاء والطاعة لأي تيار سياسي يعتلي سدة الحكم، وربما كان هذا هو سر تطبيع الأنظمة المتعاقبة معهم.
عموماً، الأزمة الدينية التاريخية حول الأضرحة بمصر، تحولت بقدرة قادر إلى قضية سياسية على الهوى الديني الإيراني، بالتزامن مع كشف دولة الإمارات العربية النقاب، عن وجود عسكري مصري على أراضيها، في مواجهة تهديدات طهران، ما يشير إلى أن المسار السياسي، يسعى إلى التوازن مع المسارات الأخرى، العسكرية في الإمارات، والصوفية في مصر، في محاولة للخروج من المأزق الراهن، اقتصادياً ومالياً، وحتى دينياً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك