لا تبدو أرقام الاقتصاد البريطاني اليوم مجرد بيانات جامدة في تقارير رسمية، بل أشبه بمؤشرات نبض لبلد يحاول أن يلتقط أنفاسه بين لحظة أمل قصيرة وموجة قلق تتسع ببطء.
فبينما تشير الإحصاءات إلى نمو الاقتصاد البريطاني في بداية عام 2026، تعيش الأسواق والأسر معاً شعوراً متزايداً بأن هذا التحسن قد لا يكون ثابتاً كما يبدو على الورق، وكأن الاقتصاد نفسه يتحرك بحذر على أرض غير مستقرة.
فقد سجّل الاقتصاد البريطاني نمواً بنسبة 0.
6% في الربع الأول من العام، وفق ما نقلت بلومبيرغ عن مكتب الإحصاءات الوطنية الخميس، وهو أداء يفوق الربع السابق ويعكس أسرع وتيرة توسع خلال عام كامل.
وفي التفاصيل، يظهر أن هذا التحسن لم يكن متجانساً بالكامل، بل تركز في قطاعات محددة، فيما بقيت قطاعات أخرى أكثر هشاشة أمام تقلبات الطلب المحلي والخارجي.
هذا التباين يضيف طبقة أخرى من القلق إلى صورة النمو، لأنه يوحي بأن الانتعاش ليس شاملاً بعد، بل ما يزال في طور التشكل، وأن أي صدمة خارجية قادرة على إعادة رسم مساره بسرعة.
في ظاهر الأمر، تبدو هذه الأرقام وكأنها خبر جيد ينتظر الاحتفاء، خصوصاً أنها جاءت متوافقة مع توقعات المحللين وأفضل من تقديرات بنك إنكلترا.
لكن خلف هذه النسبة المئوية، هناك قصة مختلفة يعيشها الناس والشركات.
فجزء كبير من هذا النمو جاء في لحظة سابقة للتوترات العالمية، حين كان فبراير/ شباط شهراً نشطاً اقتصادياً قبل اندلاع الحرب في إيران، التي بدأت تُلقي بظلالها على أسعار الطاقة وثقة الأسواق.
حتى شهر مارس/ آذار الذي سجل بدوره نمواً مفاجئاً بنسبة 0.
3%، كان مدفوعاً أساساً بقطاع الخدمات، في وقت كانت فيه التوقعات تميل إلى الانكماش لا التوسع.
ومع ذلك، لا يشعر كثيرون داخل الاقتصاد البريطاني الحقيقي، من شركات صغيرة وأسر تعتمد على الدخل اليومي، أن هذا النمو قد انعكس بعد على حياتهم بشكل ملموس.
فارتفاع تكاليف المعيشة وتذبذب أسعار الطاقة يجعلان الأرقام الإيجابية تبدو أحياناً بعيدة عن واقع الشارع.
بعض العائلات ما تزال تجد صعوبة في مواكبة فواتير الطاقة والإيجارات وأسعار الغذاء، فيما تتعامل الشركات الصغيرة بحذر مع أي خطط للتوسع أو التوظيف، خشية أن تتغير الظروف الاقتصادية بسرعة.
وحتى مع تحسن بعض المؤشرات، يبقى المزاج العام أقرب إلى الترقب منه إلى الاطمئنان، وكأن البريطانيين يخشون أن يكون التعافي الحالي هشاً وقابلاً للاهتزاز مع أول أزمة جديدة.
وفي المقابل، لا يقل المشهد السياسي اضطراباً عن المشهد الاقتصادي.
فرئيس الوزراء كير ستارمر يواجه ضغوطاً متصاعدة داخل حزبه بعد خسائر انتخابية محلية أثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبله السياسي.
والحديث عن احتمال تحدٍّ لقيادته لم يعد همساً سياسياً، بل أصبح جزءاً من النقاش العلني في البرلمان ووسائل الإعلام، في مشهد يعكس هشاشة التوازن بين السلطة والثقة العامة.
ارتفعت عوائد السندات لأجل 30 عاماً، وهي من بين أكثر السندات حساسية للمخاطر المالية والسياسية، إلى ما يزيد عن 5.
8% في 12 مايو/ أيار، وهو مستوى لم يُسجّل منذ عام 1998وهذا التوتر لا يبقى محصوراً في أروقة السياسة.
فكل حديث عن صراع قيادة أو تغيير حكومي ينعكس فوراً على الأسواق المالية، حيث ارتفعت كلفة الاقتراض الحكومي إلى مستويات لم تُسجل منذ عقود، في إشارة إلى قلق المستثمرين من مستقبل الاستقرار السياسي في البلاد.
واللافت أن هذا القلق لا يتعلق فقط بالسياسة الداخلية، بل يتقاطع أيضاً مع مخاوف خارجية، أبرزها تداعيات الحرب في إيران، التي أعادت تشكيل حسابات الطاقة عالمياً، ودفعت بأسعارها إلى مسار أكثر تقلباً، ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد البريطاني المستورد للطاقة، وعلى قدرة الشركات على التخطيط طويل الأمد.
وفي غمرة هذا المشهد، تحاول وزيرة الخزانة راشيل ريفز تقديم رواية أكثر تفاؤلاً، لكنه تفاؤل حذر ومشروط.
فهي ترى أن تحسّن النمو يفتح نافذة لتحسين الخدمات العامة ودعم الأسر، لكنه في الوقت نفسه لا يمكن فصله عن شرط أساسي هو الاستقرار السياسي.
وتحذر ريفز من أن الدخول في صراع سياسي مفتوح قد" يدفع البلاد إلى الفوضى"، في تعبير يعكس إدراكاً لحساسية اللحظة التي يمر بها الاقتصاد البريطاني.
وتقول إن الحكومة بدأت ترى" ثمار" خطتها للنمو، لكن هذه الثمار ما تزال هشة، وتحتاج إلى بيئة مستقرة حتى لا تتبدد بسرعة، وفقاً لما نقلته صحيفة الغارديان يوم الخميس، في إشارة إلى أن الاقتصاد قد يكون بدأ الحركة فعلاً، لكنه لم يثبت بعد على مسار آمن.
وما يدل على عُمق الأزمة المالية العامة في البلاد، بلوغ تكلفة الاقتراض الحكومي طويل الأجل أعلى مستوياتها منذ نحو ثلاثة عقود، وسط تكهنات متزايدة حول مستقبل رئيس الوزراء في أعقاب الخسائر الفادحة التي مُني بها حزبه في الانتخابات المحلية.
وبحسب تقرير مستقل من بلومبيرغ، ارتفعت عوائد السندات لأجل 30 عاماً، وهي من بين أكثر السندات حساسية للمخاطر المالية والسياسية، إلى ما يزيد عن 5.
8% في 12 مايو/ أيار، وهو مستوى لم يُسجّل منذ عام 1998.
ويُشير هذا الارتفاع إلى أن المستثمرين يُقيّمون احتمال استبدال ستارمر بشخصية ذات ميول يسارية من حزب العمال الحاكم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك