استطاع المخرج الإيراني أصغر فرهادي أن يتنقل بين عواصم العالم ويحقق نتاجات سينمائية في العديد من تلك المحطات التي استقر بها بعد انتقاله من طهران إلى فضاءات عالمية أكثر رحابة.
وفي محطته الجديدة، من خلال فيلم “حكايات متوازية”، الذي عُرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي الدولي، يصنع فيلماً فرنسياً، ولكن بعمق وبعد إنساني أشمل.
ويُشار إلى أن فرهادي بدأ مسيرته من خلال فيلم “الرقص في الغبار” عام 2002، ثم “مدينة جميلة” 2004، و”ألعاب نارية يوم الأربعاء” 2006، و”عن إيلي” 2009، وتحفته الأشهر “انفصال” 2011، ثم “الماضي” 2013، و”البائع” 2016، و”الكل يعلم” 2018، وهو الفيلم الذي صُوّر في إسبانيا، ضمن منهجية اشتغاله مع صناع ومبدعين عالميين، لتحقيق معادلة الحضور الإبداعي والتماس الثقافي الإنساني الثري بالنبض المتجدد.
وفي ثاني أفلامه الروائية الطويلة في فرنسا، يتأمل المخرج الإيراني في الخيال والواقع، لكنه لا يجرّنا أبداً إلى دراما الخداع والمكر التي قدمها في تجارب مثل “الكل يعلم” و”البائع” وغيرهما من الأعمال التي تعزف على إيقاع المخادعة، حيث تظهر الشخصيات بعكس ما تضمر، ويتورط المشاهد في لعبة المشاعر ودلالاتها.
يأخذنا أصغر فرهادي في فيلمه الجديد إلى حكاية سيلفي (إيزابيل أوبير)، الشخصية المحورية في “حكايات متوازية”، وهي روائية فرنسية تجاوزت أيام مجدها.
تعيش في شقة باريسية قديمة وفخمة بدأت تظهر عليها علامات التلف، وتفوح منها رائحة الماضي والفئران.
وعندما تبدأ بالكتابة، تشعل سيجارة، وتضع نظارتها القديمة، وتجلس أمام آلة كتابة كهربائية عتيقة من نوع “أوليفيتي”، من الواضح أنها تستخدمها منذ عقود، وهي دلالات وإشارات واضحة إلى جيل انتهى وزمن ولّى، وثقافة ما تزال بأمسّ الحاجة إلى نبض وحياة جديدة.
وخلال عملية الكتابة، تنقر على الآلة الكاتبة بضعة أحرف في كل مرة.
ومن المستبعد، مع ذلك، أن يكون أداء كاتب مخضرم على هذا النحو؛ بل على العكس، يفترض أن تكون المفاتيح أكثر انسيابية وتدفقاً.
إنها تفصيلة صغيرة لكنها دالة، لأن فرهادي عادة ما يكون حريصاً على الأصالة.
لكن في “حكايات متوازية” تبدو إيزابيل أوبير، التي تتقمص شخصية متذمرة بصورة مبالغ فيها، وكأنها لا تجسد روائية واقعية بقدر ما تقدم نسخة نمطية مبتذلة لكاتب فرنسي عريق، مستوحاة من أفلام الإثارة الرخيصة.
تبدو الشخصية وكأنها لم تُستلهم من تجربة حقيقية، بقدر ما انتُزعت من بحر من كليشيهات الروايات الرخيصة، وينطبق ذلك إلى حد كبير على بقية الفيلم أيضاً.
وكان فرهادي يظل يوجه أصابع الاتهام إلى حال الثقافة والرواية والروائيين الفرنسيين على وجه الخصوص.
ويُعد “حكايات متوازية” عملاً مختلفاً تماماً عن أعمال فرهادي السابقة.
فهو ليس أول مشروع يصوره هذا المخرج الإيراني القدير في فرنسا، إذ سبقه فيلم “الماضي” (2013)، الذي أخرجه عقب نجاحه العالمي بفيلم “انفصال”.
ورغم أنه كان قد بدأ بالفعل عملية الانفصال المؤلمة عن إيران، إذ تعهد فرهادي عام 2024 بعدم تصوير أي فيلم هناك حتى يُرفع الحظر المفروض على تصوير النساء من دون حجاب، فإن فيلم “الماضي” كان يحمل بصمته المميزة بكل تفاصيلها، عبر كثافة الدراما النفسية المنزلية وإبداعه المتدفق.
وعلى النقيض، يُعد الفيلم الجديد تأملاً متضخماً في الخيال والواقع.
تدور أحداثه حول تجسس الناس على بعضهم البعض، وهي فكرة قد تشكل نقطة انطلاق جيدة لفيلم سينمائي.
ولا أحد يطالب فرهادي بالالتزام بأسلوبه المألوف، الذي غالباً ما يتسم بالبراعة الفنية في الدراما الواقعية الجديدة.
لكن “حكايات متوازية” يمتاز بشيء من الفوضى المتعرجة وغير المتماسكة.
إنه أشبه بحكاية رمزية غريبة عن التلصص والخيال، وتظل معادلة التلصص حاضرة في النسبة الأكبر من أحداث الفيلم.
تبدأ سيلفي بالتحديق عبر تلسكوبها الصغير نحو الشقة المقابلة لها في الطابق الخامس، لكن ما يحدث خلف تلك النوافذ ليس كما نتوقع.
فالمكان عبارة عن استوديو لتسجيل المؤثرات الصوتية، حيث يقوم ثلاثة مصممي صوت بإنشاء ودمج مؤثرات صوتية مختلفة.
لكن الثلاثة متورطون أيضاً في مثلث حب؛ إذ إن آنا (فيرجيني إيفيرا)، ذات الشعر البني المجعد، والمرتبطة بعلاقة عاطفية مع رئيس الإنتاج الأكبر سناً (فينسنت كاسيل)، تواعد زميلها الأصغر سناً (بيير نيني) سراً.
ومن خلال تلك الشخصيات تغزل سيلفي مفردات روايتها الجديدة عبر مجموعة من التخيلات التي تبدو قريبة من الواقع.
وضمن الخطوط والحكايات المتوازية، تظهر شخصية ابنة أختها سيلين (إنديا هير)، التي تملك نصف الشقة، وتقوم بتعريف خالتها على شاب مشرّد يُدعى آدم (الفنان التونسي المتميز آدم بيسا، الذي شاهدناه في فيلم “حرقة”)، بعدما أنقذ سيلين من نشال في مترو الأنفاق.
ويقوم آدم، الكئيب ذو المظهر الأشعث، بتنظيف الشقة، ثم يأخذ مخطوطة سيلفي المهجورة، وهي السيناريو الخيالي الذي كنا نشاهده في بداية الفيلم ولم يُكتب للرواية الموافقة على الطبع، لتقوم سيلين بتركها، فيما يدعي آدم أنها مخطوطته الخاصة.
ثم يعطيها لامرأة تُدعى نيتا، تؤدي دورها أيضاً فيرجيني إيفيرا ولكن بشعر أشقر هذه المرة، والتي يلتقيها في مقهى.
ويريد منها قراءة المخطوطة، بالتزامن مع انتقال الفيلم إلى عرض النسخة الحقيقية لما كان يحدث في تلك الشقة.
وتمضي الأحداث ببطء، وفي أحيان كثيرة تمر وقائع لا تعمل على تطوير البناء الدرامي.
وأكثر ما يثير الحيرة في “حكايات متوازية” هو قلة حيوية الشخصيات خارج نطاق هذه المناورات بين الخيال والواقع.
وليس الأمر متعلقاً بأداء الممثلين المستعاد والمكرر، كما هو الحال مع إيزابيل أوبير أو حتى فينسنت كاسيل، ولا بالحضور المقحم لـ كاترين دينوف.
في “حكايات متوازية”، لا يتلاعب فرهادي بالجمهور بقدر ما يربكه بأسلوبه السردي الملتوي.
ينجح الفيلم في أن يكون مشوشاً بشكل متقن، رغم أنه ليس معقداً إلى هذا الحد.
وربما يعود ذلك إلى أن الحكايات التي يرويها متوازية بالفعل، وكأنها تتنافس على إحباط المشاهد.
ونصل إلى بيت القصيد، فيلم “حكايات متوازية” ليس من أفضل أفلام أصغر فرهادي، لكنه يظل ممتعاً باحترافيته، وأيضاً بإشاراته الصريحة والناقدة للحالة الثقافية الفرنسية أولاً، ولأهمية خلق جيل جديد ثانياً، وقبل كل ذلك اشتغاله على معادلة التلصص لبناء فعل سينمائي جديد، يبتعد عن منهجية فرهادي السابقة، القائمة على المكر والخداع في بناء الشخصيات والأحداث.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك