في مؤشر إلى استمرار التصدعات داخل قوات" الدعم السريع"، تواصلت موجة الانشقاقات داخل صفوفها، في تطور يهدد مستقبل تحالفاتها القبلية بخاصة في ظل الضغوط الاجتماعية المتزايدة على عدد من القادة العسكريين، وكذلك حالات التململ والاستياء وسط عدد من المكونات القبلية لهذه القوات بسبب التهميش والتمييز على أساس المكونات الإثنية في صفوفها.
ومنذ ظهورها عام 2003 كميليشيات لتأمين القوافل التجارية خلال مسيرتها الطويلة مروراً بمرحلة الاستيعاب والتقنين عام 2013، اعتمدت" الدعم السريع" على تحالفات قبلية ومجموعات مسلحة ذات ولاءات عشائرية، مما منحها قدرة كبيرة على الانتشار السريع وسط مجتمعات ولايات دارفور وكردفان وبناء النفوذ القبلي.
في السياق رأي القيادي الأهلي بإدارة" عمودية كنانة" عمر أحمد آدم أن" هجوم" الدعم السريع" في فبراير (شباط) الماضي على بادية مستريحة، المعقل التاريخي لقبيلة" المحاميد" وزعيمها موسى هلال، كان دافعاً مباشراً إلى انفجار الخلافات الداخلية والتعجيل بالانشقاقات التي ضربت هذه القوات، إذ اعتبرت قيادات ميدانية بارزة من أبناء القبيلة التي تشكل عمود" الدعم السريع"، " الهجوم تجاوزاً خطراً للتحالفات القبلية التي بنيت عليها تلك القوات".
وأضاف" أثار الهجوم وما تبعه من قتل وتصفية لاثنين من أبناء زعيم القبيلة ونهب وتدمير الممتلكات، غضب القادة من أبناء المحاميد داخل ’الدعم السريع‘، واعتبروه غدراً ببيت الزعامة القبلية، كذلك اتهموا قادة هذه القوات بزرع الفتنة داخل القبيلة والسعي إلى تنصيب قيادات بديلة تدين بالولاء لآل دقلو بدلاً من الزعيم الحالي موسى هلال"، وأوضح آدم أن" الأحداث الأخيرة نشطت عمليات الاستقطاب وحمى التحالفات والتكتلات ذات الطابع القبلي، مما أدى إلى تزايد موجة الانشقاقات داخل صفوف قوات ’الدعم السريع‘ بصورة مستمرة"، وتوقع القيادي الأهلي أن تؤثر الانشقاقات الأخيرة على تحالفات" الدعم السريع" القبلية، " فضلاً عن تهديد تماسكها العسكري خصوصاً في ظل استمرار الحرب التي دخلت عامها الرابع من دون أفق لحل يوقفها، وكذلك تحولها إلى حرب استنزاف طويلة معقدة، إذ تسهم قيادات الإدارات الأهلية في حشد المستنفرين من أبناء قبائلهم، وتحريضهم على القتال".
في المنحى ذاته اعتبر الباحث في مجال فض النزاعات حافظ بشارة أن" الانشقاقات المتتالية جاءت تعبيراً عن حال الاحتقان الداخلي وتراجع الروح المعنوية داخل صفوف ’الدعم السريع‘ بسبب التهميش والتمييز القبلي، في وقت ما زال الجيش السوداني يجري اتصالات وتفاهمات مع قادة ميدانيين بصفوف هذه القوات يمكن أن تفضي إلى مزيد من الانشقاقات المشابهة خلال الفترة المقبلة"، وأشار بشارة إلى" وجود خلافات وتوترات داخلية تعود إلى طبيعة التكوين الداخلي والتركيبة القبلية الهشة لقوات ’الدعم السريع‘ التي لا تخلو من تناقضات، مما يجعلها أكثر قابلية للصراعات والانقسامات في ظل الضغوط الميدانية والسياسية التي تتعرض لها خلال الفترة الأخيرة، مع توسع ظاهرة الاستجابة لنداء العفو العام المفتوح الذي أطلقته قيادة الجيش السوداني"، ورأى الباحث في مجال فض النزاعات أن" الانشقاقات غير بعيدة بأي حال عن التحولات في مواقف الحواضن الاجتماعية التي تمثل عصب ’الدعم السريع‘، بخاصة بعد الهجوم العنيف الذي شنته على بادية مستريحة، معقل قبيلة المحاميد الذين يشكلون عصب هذه القوات"، ورجح أن يحقق دعم رئيس مجلس الصحوة الثوري وزعيم المحاميد موسى هلال وتحالفه مع الجيش السوداني مكاسب كبيرة له على الأرض، " إذ يتيح له التمدد تلقائياً في مساحات ومناطق جغرافية في عمق حاضنة قوات ’الدعم السريع‘ الاجتماعية والجغرافية".
على صعيد متصل وصف الباحث في التاريخ الاجتماعي مزمل الطاهر الانشقاقات داخل صفوف" الدعم السريع بأنها تهدف بصورة رئيسة إلى إضعاف وخلخلة صفوف مقاتلي هذه القوات باختراق وتقسيم الولاءات القبلية والجغرافية ضمن محاولات تفكيكها من الداخل، عبر التأثير في مواقف القادة القبليين بصورة تؤثر في الروح المعنوية والوضع العسكري"، واستبعد الطاهر تأثير الانشقاقات على تماسك" الدعم السريع" ومجرى العمليات الميدانية والعسكرية" خصوصاً أن نحو 75 في المئة من قبيلة المحاميد تمثل هذه القوات، فضلاً عن تبرؤ عدد من كبار القبيلة من توجهات موسى هلال وعدم تفويضهم إياه"، ونوه بأن" زعماء قبائل كبرى في عدد من ولايات غرب السودان، أبرزها البني هلبة والترجم والهبانية والفلاتة والمسيرية والتعايشة والرزيقات والحمر تدعم وتساند ’الدعم السريع‘".
ولفت الباحث في التاريخ الاجتماعي النظر إلى أن" الدعم السريع" استبقت الجيش السوداني في عمليات التحشيد القبلي منذ أعوام طويلة، إلى جانب توسعها في إنشاء تحالفات عشائرية وفرت لها رصيداً بشرياً من المقاتلين من طريق التجنيد القبلي والجغرافي بواسطة عدد من القادة والزعماء القبليين هناك، ثم إن الانشقاقات الأخيرة لن تهدد مكاسبها السابقة إلا في إطار محدود.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)على الصعيد ذاته، أشار الباحث الاجتماعي المتخصص في قضايا النزاع مجدي بشير إلى أن" الانشقاقات في صفوف ’الدعم السريع‘ قد لا تؤدي إلى انهيار موازين القوى العسكرية على الأرض في الوقت الحالي، لا سيما أن هذه القوات لا تزال تحتفظ بسيطرتها على مدن ومناطق عدة بالبلاد، لكن استمرار تهميش القيادات الميدانية وتصاعد التوترات القبلية داخل بنيتها، وكذلك احتكار القائد محمد حمدان دقلو (حميدتي) وشقيقه عبدالرحيم السيطرة على اتخاذ القرارات، أسباب تؤثر بصورة مباشرة في التماسك العسكري في جبهات عدة"، ولفت إلى أن" الإدارات الأهلية في دارفور وكردفان تبحث عن مصالحها، لذلك يمكن أن ينجح الجيش السوداني في توظيف عدد من قادتها لتحقيق أجندته العسكرية لتفكيك بنية ’الدعم السريع‘"، ونوه بشير بأن" نظام الإدارة الأهلية في السودان تأسس على موالاة الحاكم سواء كان وطنياً أم أجنبياً وظل هذا النمط من العلاقات مع الحكومات المتعاقبة وبقي على حاله حتى اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) عام 2023".
وشهدت" الدعم السريع" تصاعداً لافتاً في موجة الانشقاقات داخل صفوفها، إذ أعلن اللواء النور أحمد آدم الشهير بـ" النور القبة" أحد أبرز قادة" الدعم السريع" المؤسسين وقائد معارك الفاشر انشقاقه في الـ20 من أبريل الماضي وانضمامه للجيش السوداني، ولحق به قائد ميداني بارز آخر هو العميد علي رزق الله، المعروف بـ" السافنا"، الذي يعد من أبرز القادة الذين أداروا معارك الخرطوم والفاشر، وتمثل عملية انشقاقه ضربة قوية لـ" الدعم السريع" لما يمتلكه من قوات كبيرة جداً وعتاد عسكري.
وينتمي كل من" النور القبة" و" السافنا" إلى قبيلة" المحاميد"، أحد الفروع الرئيسة لقبيلة" الرزيقات" ذات الأصول العربية في دارفور، التي يقودها الزعيم القبلي موسى هلال، القائد السابق لقوات حرس الحدود، النواة الأولى التي تحولت لاحقاً إلى قوات" الدعم السريع".
في حين أعلن القيادي الميداني أبكر مايري، قائد المجموعة 15 في قطاع كردفان، انضمامه إلى القوات المسلحة السودانية بكامل قواته وعتاده العسكري.
وسط هذه الأجواء، أعلنت حركة" شجعان كردفان" رسمياً انشقاقها وفك ارتباطها وتبعيتها لميليشيات" الدعم السريع".
وأكدت الحركة، في بيان، فض ارتباطها بصورة قاطعة مع" الدعم السريع"، في خطوة عدها مراقبون تحولاً جديداً مهماً في خريطة التحالفات العسكرية والسياسية داخل إقليم كردفان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك