ابدأ بتأمل مفارقة تبدو غريبة للوهلة الأولى: الرجل الذي أُعدم قبل ستين عامًا تقريبًا ما زال حاضرًا داخل عشرات التنظيمات والتيارات والجماعات التي تختلف في الأسماء والشعارات، لكنها تلتقي جميعًا عند أفكاره الأساسية.
لم يعد سيد قطب مجرد كاتب أو مُنظر سابق في تاريخ جماعة الإخوان الإرهابية، بل تحول مع الوقت إلى مرجعية فكرية ممتدة تتجاوز حدود الجماعة نفسها.
ولهذا، كلما ظهر تنظيم جديد يرفع شعارات التكفير أو الحاكمية أو «الطليعة المؤمنة»، عاد اسم سيد قطب إلى الواجهة من جديد، لا باعتباره ذكرى تاريخية، بل باعتباره أصلًا فكريًا لا يزال يُنتج ظلاله حتى اليوم.
تتبع مسار الجماعات المتطرفة منذ الستينات لتكتشف أن معظمها خرج، بشكل مباشر أو غير مباشر، من العباءة القطبية.
صحيح أن هذه الجماعات اختلفت لاحقًا في الوسائل والأهداف ودرجات العنف، لكن القاسم المشترك بينها ظل ثابتًا: النظر إلى المجتمع باعتباره مجتمعًا منحرفًا عن الإسلام الحقيقي.
تلك الفكرة تحديدًا لم تكن مجرد اجتهاد عابر في كتاب «معالم في الطريق»، بل كانت نقطة تحوُّل كبرى في تاريخ الإسلام السياسى الحديث.
فقبل قطب، كانت الجماعات الدينية تتحدث عن «إصلاح المجتمع»، أما بعده فقد بدأ الحديث عن «مفاصلة المجتمع» نفسيًا وفكريًا، باعتباره يعيش في جاهلية حديثة لا تختلف كثيرًا عن جاهلية ما قبل الإسلام.
لاحظ كيف انتقلت تلك الأفكار من الكتب إلى الواقع العملى داخل السجون المصرية في الستينات.
هناك، لم تعد المسألة نقاشًا فكريًا نظريًا، بل تحولت إلى أسئلة يومية تتعلق بالإيمان والكفر وحدود الانتماء إلى الإسلام نفسه.
بعض المسجونين رفضوا الصلاة خلف أئمة المساجد قبل التأكد من حقيقة عقيدتهم، وظهرت للمرة الأولى حالة الشك الكامل في المجتمع ومؤسساته.
لم يكن ذلك انفصالًا سياسيًا فقط، بل كان انفصالًا نفسيًا وروحيًا أيضًا.
ومن هنا بدأت أخطر مراحل الفكر القطبي، حين تحولت «الجاهلية» من توصيف رمزي إلى رؤية كاملة للعالم.
تأمل كيف خرجت من هذا المناخ تنظيمات متعددة حملت الأفكار نفسها بدرجات متفاوتة.
خرجت جماعات التكفير والهجرة، والجهاد، والتوقف والتبين، ثم ظهرت لاحقًا تنظيمات أكثر عنفًا مثل القاعدة وداعش، وجميعها أعادت إنتاج المفاهيم القطبية الأساسية نفسها: الحاكمية، والجاهلية، والطليعة.
حتى عندما حاولت بعض هذه التنظيمات التمرد على جماعة الإخوان المسلمين تنظيميًا، ظلت تدور داخل المجال الفكرى الذي أسسه سيد قطب.
ولهذا يصعب فهم تاريخ التطرف الحديث دون العودة إلى تلك اللحظة الفكرية التي نقلت الصراع من السياسة إلى العقيدة نفسها.
إن تأثير قطب لم يتوقف عند التنظيمات المسلحة فقط، بل امتد إلى قطاعات واسعة من الإسلام الحركي التي تبنت جزءًا من مفاهيمه دون أن تتبنى العنف الصريح.
كثير من الخطابات التي تتحدث عن «المجتمع الفاسد» أو «الهوية الضائعة» أو «استعادة الإسلام الحقيقي» تحمل في داخلها أثرًا قطبيًا واضحًا، حتى لو لم تعترف بذلك مباشرة.
ولهذا فإن قراءة سيد قطب باعتباره مجرد مرحلة تاريخية انتهت بإعدامه تبدو قراءة سطحية لا تفسر استمرار حضوره حتى اليوم.
أُعدم سيد قطب بالفعل، لكن أفكاره خرجت من السجن وانتشرت في المنطقة.
تحولت كتبه إلى مرجع سرى لدى بعض التنظيمات، وإلى مصدر إلهام لدى جماعات أخرى، بينما بقيت مفاهيمه الكبرى تتحرك داخل المجال الإسلامي السياسي بأشكال متعددة.
لهذا، لا يبدو السؤال الحقيقي اليوم: هل ما زال سيد قطب حاضرًا؟ بل: إلى أى مدى ما زلنا نعيش داخل أفكاره الظلامية التي صنعها، وما هو مدى اختراق تلك الأفكار للمفاهيم الدينية السائدة في المجتمع؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك