يستعد الفاتيكان لإصدار أول رسالة بابوية عامة للبابا لاوون الرابع عشر، وهي وثيقة يُتوقع أن تتناول الذكاء الاصطناعي، مع التشديد على ضرورة اعتماد مقاربة أخلاقية للتكنولوجيا تضع كرامة الإنسان والعلاقات الاجتماعية والسلام في صلبها.
وأوضح مسؤولون في الفاتيكان أن البابا وقّع الوثيقة يوم الجمعة، في الذكرى الـ135 لتوقيع سلفه ليو الثالث عشر رسالته الشهيرة" ريروم نوفاروم" (Rerum Novarum)، التي تناولت حقوق العمال وحدود الرأسمالية وواجبات الدولة وأرباب العمل خلال الثورة الصناعية، وأرست أسس الفكر الاجتماعي الكاثوليكي الحديث.
ووفقاً لوكالة أسوشييتد برس، فمن المتوقع أن تضع الرسالة الجديدة مسألة الذكاء الاصطناعي ضمن إطار التعليم الاجتماعي للكنيسة، الذي يشمل قضايا العمل والعدالة والسلام، في ظل قناعة البابا بأن ثورة الذكاء الاصطناعي تطرح أسئلة وجودية مشابهة لتلك التي أثارتها الثورة الصناعية قبل أكثر من قرن.
وفي هذا السياق، قالت أستاذة الفلسفة في جامعة نوتردام ميغان سوليفان، لـ" أسوشييتد برس"، إن الكنيسة الكاثوليكية قد تلعب دور" الطرف الأكثر نضجاً" في النقاشات المتعلقة بكيفية دمج الذكاء الاصطناعي في المجتمع، وأكدت أن البابا سيكون من أبرز المدافعين عن كرامة الإنسان في هذه الحوارات.
بعد أيام من انتخابه عام 2025، شدد البابا لاوون على أن الكنيسة" مدينة للعالم" بتقديم" كنز تعليمها الاجتماعي" لمواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً ما يتعلق بكرامة الإنسان والعدالة والعمل.
ومن المرجح أن يتطرق البابا إلى هذه القضية مجدداً، مع إحياء الفاتيكان يوم التواصل الاجتماعي العالمي غداً الأحد.
وفي رسالته التي صدرت مطلع هذا العام، ركّز البابا لاوون على الكلفة الإنسانية لسباق الذكاء الاصطناعي، محذراً من مخاطر تراجع العلاقات الإنسانية الحقيقية أمام" أصدقاء" الدردشة الآلية، وتراجع الإبداع البشري أمام الموسيقى والفيديو المدعومين بالذكاء الاصطناعي، فضلاً عن تهديد" الواقع" بفعل تقنيات التزييف العميق.
وأشارت" أسوشييتد برس" إلى أن الرسالة المرتقبة قد تتحول إلى نقطة توتر جديدة بين البابا، المولود في شيكاغو، وإدارة دونالد ترامب التي تعتبر تطوير الذكاء الاصطناعي أولوية اقتصادية وأمنية، وترفض محاولات فرض قيود دولية عليه، كذلك أزالت قيوداً تنظيمية داخلية لتسريع تطويره.
وجاء توقيع الوثيقة بالتزامن مع زيارة ترامب للصين، التي تناولت أيضاً ملفات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ورافقه خلالها رجال أعمال بارزون، بينهم إيلون ماسك وجنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة نيفادا، في مؤشر على تصاعد التنافس العالمي في هذا المجال.
ومنذ إطلاق" تشات جي بي تي"، تسارعت وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي بشكل لافت، وسط تحذيرات من مخاطره، سواء على المدى البعيد، مثل فقدان السيطرة على الأنظمة الذكية، أو على المدى القريب، كقضايا التحيز في الخوارزميات.
وفي هذا السياق، تبنّت الأمم المتحدة إطاراً تنظيمياً جديداً للذكاء الاصطناعي، فيما أقرّ الاتحاد الأوروبي قانوناً خاصاً به عام 2024 يعتمد مقاربة قائمة على المخاطر.
وفي عام 2020، دعا الفاتيكان شركات التكنولوجيا إلى التوقيع على تعهّد يُعرف باسم" نداء روما لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي" (Rome Call for AI Ethics)، الذي حدّد جملة من المبادئ الأساسية لتنظيم هذا المجال، من بينها الشمولية والمساءلة والحياد والخصوصية.
وكانت شركات" مايكروسوفت" وآي بي إم" (IBM) و" سيسكو" (Cisco) من بين الموقعين على هذا التعهد.
وفي سنواته الأخيرة، دعا البابا السابق فرنسيس إلى إبرام معاهدة دولية لتنظيم الذكاء الاصطناعي، محذّراً من مخاطر تطوير التكنولوجيا من دون ترسيخ القيم الإنسانية، مثل الرحمة والتعاطف والأخلاق.
وفي مواقف لاحقة، حذّر البابا لاوون من استخدام الذكاء الاصطناعي في إعداد العظات الدينية، مشيراً إلى تداعياته الأوسع على السلام العالمي وسوق العمل ومفهوم الحقيقة نفسه، ولا سيما في ظل انتشار تقنيات التزييف العميق.
ويُعرف البابا لاوون الرابع عشر باهتمامه بملف الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تركيزه على قضايا السلام والحقيقة والعلاقات الإنسانية.
وعلى الصعيد الداخلي، حذّر الكهنة من استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة عظاتهم، وعبّر عن قلقه إزاء التداعيات الأوسع لهذه التكنولوجيا على السلام العالمي وسوق العمل، بل وعلى مفهوم الواقع نفسه.
وبالنسبة إلى البابا المنتمي إلى الرهبنة الأوغسطينية، تثير قدرة الذكاء الاصطناعي التوليدي على التضليل والخداع، عبر الصور المُفبركة، قلقاً بالغاً، ولا سيما أن البحث عن الحقيقة يُعدّ ركناً أساسياً في روحية هذه الرهبنة.
وفي خطاب ألقاه خلال مؤتمر حول الذكاء الاصطناعي في يونيو/ حزيران 2025، أقرّ لاوون بإسهامات هذه التكنولوجيا في مجالات مثل الرعاية الصحية والاكتشافات العلمية، لكنه تساءل عن" تداعياتها المحتملة على انفتاح البشرية على الحقيقة والجمال، وعلى قدرتنا الفريدة على إدراك الواقع".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك