بحلول الذكرى الـ23 لـ" أحداث 16 مايو/ أيار" التي كانت مدينة الدار البيضاء غربي المغرب مسرحًا لها، وأدخلت البلاد مرحلة جديدة في تعاملها مع خطر التطرف العنيف، تثار التساؤلات حول ما إذا كانت البلاد قد أصبحت اليوم خارج دائرة الخطر، في سياق إقليمي ودولي يشهد تحولات متسارعة، وفي ظل تحديات متزايدة تواجه السلطات.
وفي الذكرى الـ23 لتفجيرات الدار البيضاء، يستعيد المغاربة لحظات مؤلمة ومشاهد صادمة لأعنف تفجيرات انتحارية في تاريخ البلاد، بعدما خرج، ليلة الجمعة 16 مايو/ أيار 2003، 14 شابًّا تراوح أعمارهم بين 20 و24 عامًا، من الحي الصفيحي" كاريان طوما" في منطقة سيدي مومن بالدار البيضاء، ليستهدفوا بأحزمة ناسفة أهدافًا استراتيجية وحيوية، بدءًا بفندق" فرح" ومطعم" دار إسبانيا"، مرورًا بمطعم إيطالي بالقرب من" دار أميركا" ومركز اجتماعي يهودي كان مغلقًا في ذلك اليوم، وانتهاءً بمقبرة يهودية قديمة وقنصلية بلجيكا.
وشكلت تفجيرات الدار البيضاء، التي جاءت في سياق دولي اتسم بتصاعد تهديد الجماعات المتطرفة، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، صدمة قوية في المملكة من هول ما حدث، بعدما كانت تصريحات عدة تذهب إلى أن" البلاد في منأى عن الإرهاب" الذي ضرب، في ذلك الوقت، عددًا من البلدان العربية.
وتحت وقع صدمة التفجيرات، التي أودت بحياة 45 قتيلًا وأوقعت العديد من المصابين، شنت السلطات الأمنية حملة اعتقالات واسعة قادت إلى اعتقال أكثر من 3000 مشتبه به، ينتمي غالبيتهم إلى" السلفية الجهادية".
وهو ما انتقدته بشدة الجمعيات الحقوقية، بعد تسجيل خروقات وتجاوزات دفعت أعلى سلطة في البلاد إلى الاعتراف بها.
ومنذ 16 مايو/ أيار 2003، شهد ملف محاربة الإرهاب في البلاد تحولات عدة، بدأت باعتقال المئات من السلفيين ثم إطلاق سراح كثير منهم، وتحديدًا شيوخ ما يسمى" السلفية الجهادية"، مرورًا بإطلاق سياسة دينية جديدة لمحاربة التشدد، وصولًا إلى حملات أمنية استباقية أسفرت عن تفكيك العديد من الخلايا الإرهابية، فضلًا عن مباشرة محاولات مختلفة لتحييد خطر" المتشددين" داخل السجون وخارجها، من بينها إصدار الملك محمد السادس، خلال السنوات الأخيرة، عفوًا عن عدد من المعتقلين على خلفية قضايا إرهاب.
وفي حين بات ملف" السلفية الجهادية" من أكثر القضايا تعقيدًا التي واجهتها الدولة المغربية منذ تفجيرات الدار البيضاء عام 2003، كشفت محاولات الدولة، الرسمية وغير الرسمية، للدخول في مفاوضات مع معتقلي" السلفية الجهادية" داخل السجون، عن إدراكها أن السجن ليس حلًّا دائمًا لمشكلة التطرف.
وتبعًا لذلك، تحول تركيزها نحو تفكيك الخطاب المتطرف.
وكانت المحصلة إطلاق المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، بالشراكة مع الرابطة المحمدية للعلماء والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، عام 2017، برنامج" مصالحة"، الذي يعمل على محاربة التطرف عبر التربية الدينية، والمواكبة النفسية، وتنظيم ورش عمل تعنى بالقانون ونشر ثقافة حقوق الإنسان، إضافة إلى تقديم تأطير سياسي - اقتصادي.
ورغم أن المغرب لم يشهد خلال السنوات العشر الماضية سوى هجوم كبير واحد، تمثل في مقتل سائحتين اسكندنافيتين عام 2018، يرى المسؤولون المغاربة أن الجماعات المتشددة في منطقة الساحل المجاورة، التي تجند وتدرب أتباعها عبر الإنترنت، تمثل أكبر تهديد للبلاد، خاصة أن موقع المغرب يجعله هدفًا للجماعات المتمركزة في تلك المنطقة.
كما يبدي المسؤولون المغاربة قلقًا متزايدًا من انتقال بعض المغاربة الذين انضموا إلى تنظيم" داعش" في بؤر التوتر إلى منطقة الساحل الأفريقي.
وبالرغم من تسجيل المغرب حضورًا لافتًا في" المؤشر العالمي للإرهاب لسنة 2026"، بعدما صنف ضمن الدول التي ينعدم فيها تأثير العمليات الإرهابية، محققًا صفر نقطة على سلم المؤشر، وهو ما يضعه في مرتبة متقدمة ضمن البلدان الأكثر أمانًا على هذا الصعيد، تواصل السلطات الأمنية إعلان تفكيك خلايا" تهدد أمن البلد واستقراره".
وكان آخرها، عشية الذكرى الـ23 لتفجيرات الدار البيضاء، حين تمكنت السلطات، في كل من ميدلت ودوار الدويبات باليوسفية، بناءً على معلومات دقيقة وفرتها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (المخابرات الداخلية)، من توقيف شخصين مواليين لتنظيم" داعش".
وبحسب الباحث في الدراسات الإسلامية ورئيس" مركز وعي للدراسات والوساطة والتفكير"، محمد عبد الوهاب رفيقي، فإن من الصعب الحديث عن انتهاء خطر التطرف، بالنظر إلى أن العديد من العوامل المنتجة له، محليًّا وخارجيًّا، والتي دفعت كثيرًا من الشباب إلى الالتحاق بالحركات المتطرفة واعتناق الفكر المتطرف عام 2003، ما تزال قائمة حتى اليوم، وإن كان ذلك في سياق مختلف.
وأوضح رفيقي، في حديث لـ" العربي الجديد"، أن الوضع الدولي، والإحساس بالمظلومية والتخلف الحضاري الذي تعيشه الدول الإسلامية، ما يزالان قائمين كما كانا، كما أن الفكر المنتج للتطرف ما يزال شائعًا ومنتشرًا، وأن البيئات الحاضنة للتطرف، بما تتضمنه من فقر وقلة تعليم وضعف في مستوى حقوق الإنسان، ما تزال قائمة، رغم تحسن بعض الأوضاع.
وأضاف: " من المؤكد أن خطر الإرهاب أقل مما كان عليه من قبل، وأن عددًا من الأوراش الإصلاحية ساهم في التقليل من نسبة التطرف، لكن لا يمكن الحديث عن انتهاء هذا الخطر أو الوصول إلى تحصين تام.
وهذا ما يفسر توقيف عدد من الخلايا والمنتمين إلى التنظيمات المتطرفة حتى اليوم.
وهي حالة لا تخص المغرب وحده، وإنما العالم كله، إذ لم يستطع تحصين نفسه من الإرهاب وإنهاء هذا الخطر".
ويرى رفيقي أن تحصين المغرب من الإرهاب قد يتحقق على مستوى الأجيال القادمة بعد تنفيذ عدد من السياسات العمومية المتوسطة وطويلة المدى، موضحًا أن ذلك لا يمكن أن يتحقق خلال السنوات القليلة التي تفصلنا عن أحداث 16 مايو/ أيار 2003.
من جهته، قال رئيس مركز شمال أفريقيا للدراسات والأبحاث وتقييم السياسات العمومية، رشيد لزرق، في تصريح لـ" العربي الجديد"، إن المغرب استطاع، إلى حد بعيد، تحصين نفسه من الإرهاب عبر بناء مقاربة أمنية استباقية تقوم على اليقظة الاستخبارية، وتفكيك الخلايا قبل انتقالها إلى التنفيذ، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتطوير التعاون الدولي.
وأوضح لزرق أن تلك الأحداث شكلت نقطة تحول كبرى في العقيدة الأمنية المغربية، إذ انتقل التعامل مع الإرهاب من منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية والرصد المبكر، وهو ما جعل المملكة قادرة على تجنيب نفسها تكرار اعتداءات كبرى بحجم أحداث 2003.
لكن، رغم ما تحقق في مجال محاربة الإرهاب، فإن القول إن خطر الإرهاب انتهى نهائيًّا يبقى، وفق لزرق، غير دقيق من الناحية الأمنية، لأن الإرهاب لم يعد يقتصر على خلايا منظمة تتحرك في الداخل، بل أصبح تهديدًا متحولًا يرتبط بالاستقطاب الرقمي، و" الذئاب المنفردة"، وبؤر التوتر الإقليمية، خاصة في الساحل والصحراء.
وإجمالًا، رأى لزرق أن المغرب حصن نفسه بدرجة كبيرة، لكنه لا يعيش خارج دائرة الخطر، لافتًا إلى أن المعادلة الدقيقة تتمثل في أن الخطر الإرهابي تراجع بفعل النجاعة الأمنية، لكنه لم ينته، ما يجعل استمرار اليقظة والتنسيق الأمني والوقاية الفكرية والاجتماعية ضرورة دائمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك