قال وزير الدفاع السويدي، بول جونسون، خلال زيارة لقاعدة عسكرية نرويجية، أمس الجمعة، إنّ التخطيط العسكري المشترك بين دول إسكندنافيا" أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى"، مشيراً إلى دمج البنى التحتية والقدرات الدفاعية ضمن منظومة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وأضاف: " نحن في وضع يتعين فيه على أوروبا تحمّل مسؤولية أكبر عن أمنها، ومنطقة الشمال هي الأكثر زيادة في الاستثمارات الدفاعية، وفي الوقت نفسه من أكبر الداعمين لأوكرانيا".
أما وزير الدفاع النرويجي تور ساندفيك، فاعتبر في تصريحات للتلفزيون النرويجي، اليوم السبت، أنّ التعاون الحالي" أقوى بكثير مما كان عليه قبل خمس سنوات"، موضحاً أن الحرب في أوكرانيا والتطورات الروسية سرّعت وتيرة التكامل العسكري.
وتُدار المنظومة لدول إسكندنافيا؛ النرويج، والسويد، والدنمارك، في إطار" الدفاع الشمالي المشترك"، الهادف إلى تنسيق التخطيط وتسهيل حركة القوات والعتاد بين دول الشمال.
وتأتي هذه الخطوات مدفوعة بالتحولات العميقة في علاقات دول إسكندنافيا مع روسيا والولايات المتحدة، وتواصل القلق من تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا وما قد تؤول إليه سلوكيات موسكو في المرحلة المقبلة.
فمن بحر البلطيق إلى الدائرة القطبية، تتسارع خطوات السويد وفنلندا والنرويج والدنمارك وأيسلندا نحو بناء منظومة دفاعية أكثر ترابطاً، في ظل تصاعد المخاوف من روسيا، وتزايد التساؤلات حول مستقبل المظلة الأمنية الأميركية في أوروبا.
ويقوم هذا التحوّل على إعادة صياغة العقيدة الدفاعية لدول إسكندنافيا على أساس" الحرب المشتركة"، بما يحوّل المنطقة إلى كتلة قادرة على العمل كوحدة عسكرية متكاملة في الجو والبحر والبر، في حال نشوب مواجهة مع موسكو.
وشكّل انضمام فنلندا والسويد إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في 4 إبريل/ نيسان 2023، وفي 7 مارس/ آذار 2024 على التوالي، نقطة تحوّل استراتيجية أنهت عقود الحياد وفتحت الباب أمام مستوى غير مسبوق من التنسيق الدفاعي الإقليمي.
ويشكّل الأسطول الجوي المشترك، المقدر بنحو 250 مقاتلة من طراز" إف-35" لدى النرويج وفنلندا والدنمارك، إضافة إلى مقاتلة" غريبن" السويدية، أحد أعمدة الردع الإقليمي.
وترى القيادات العسكرية أن هذا التنوع يخلق طبقات ردع معقدة يصعب اختراقها بفعل تعدد المنصات وشبكات الرصد والدفاع، وقال ساندفيك إن هذه القوة تمثل" قدرة ضاربة هائلة"، مؤكداً أن" الهيمنة الجوية عنصر حاسم في أي صراع محتمل".
كما تعمل دول إسكندنافيا على دمج قواعدها الجوية بما يسمح بتشغيل الطائرات من أراضي الدول المجاورة، ما يمنح مرونة عملياتية واسعة في أزمات البلطيق أو القطب الشمالي.
ودفعت الحرب الروسية على أوكرانيا دول الشمال الإسكندنافي إلى إعادة ترتيب أولوياتها الدفاعية، خصوصاً في مجال الدفاع الجوي، بعدما أظهرت المعارك أن غياب السيطرة على الأجواء يحوّل الحرب إلى استنزاف طويل ومكلف.
وتبنّي دول الشمال شبكة دفاع متعددة الطبقات؛ تعتمد فيها السويد على منظومة" باتريوت"، وفنلندا على" مقلاع داوود"، والدنمارك على" سامب تي" الأوروبي، بينما تطور النرويج منظومة" ناسامس" التي أثبتت فعاليتها في أوكرانيا.
ولم يعد الهدف حماية كل دولة بشكل منفصل، بل بناء" مظلة دفاع شمالية" مترابطة، تُرصد فيها التهديدات من دولة وتُعترض من أخرى فوراً.
ورغم تصاعد الحشد العسكري، تؤكد حكومات الشمال الإسكندنافي أن الهدف هو الردع ومنع وقوع الحرب.
وقال ساندفيك إن" أهم ما نقوم به هو ردع الحرب ومنعها"، مشيراً إلى أن أي خصم محتمل يجب أن يدرك أن مهاجمة دول الشمال أو الناتو" ستكون مكلفة للغاية".
النرويج مركز محوري بين دول إسكندنافيامع ذوبان الجليد وفتح طرق بحرية جديدة، وتحول القطب الشمالي إلى ساحة تنافس جيوسياسي متصاعد بين روسيا والغرب، تبرز النرويج مركزاً محورياً في هذه المعادلة، بفضل موقعها المطل على بحر بارنتس والحدود الروسية، إضافة إلى قواعدها الجوية والبحرية المتقدمة في أقصى شمالها.
وفي هذا السياق، تتوسع الشراكة الدفاعية بين النرويج وألمانيا لتشمل غواصات شبحية، وأنظمة المراقبة الفضائية، والصناعات العسكرية، والتعزيز السريع للقوات، عقب توقيع اتفاقية دفاعية واسعة بين الجانبين مؤخراً.
وقال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس بعد توقيع الاتفاقية، في فبراير/ شباط الماضي، إنّه" كلما زادت الاستثمارات الدفاعية، تراجعت احتمالات التعرض لهجوم"، كما تشمل الشراكة تطوير صواريخ بحرية بعيدة المدى وتعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية والفضائية، في واحدة من أعمق الشراكات الأمنية الأوروبية خلال السنوات الأخيرة.
في إطار هذا التعاون، حصلت ألمانيا على صواريخ" جوينت سترايك"، وهو صاروخ نرويجي دقيق بعيد المدى مخصص لضرب الأهداف البرية والبحرية، ويُستخدم أساساً على مقاتلات" إف-35".
وتبلغ قيمة الصفقة نحو 600 مليون دولار أميركي، ما يعكس تزايد الترابط بين الصناعات الدفاعية الأوروبية، واتجاهها نحو تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في مجالات حساسة.
وقال المستشار الألماني فريدريش ميرز بعد توقيع الاتفاقية مع النرويج إن أوروبا يجب أن تصبح" قادرة على الدفاع عن نفسها حتى لا تضطر إلى خوض الحرب"، في تعبير يلخص فلسفة ردع تقوم على منع المواجهة لا خوضها.
ولذلك لم يعد النقاش في دول إسكندنافيا يدور حول حماية الحدود فقط، بل بات يتجه نحو بناء فضاء دفاعي شمالي موحد قادر على العمل كوحدة واحدة، وربما خوض حرب متعددة الجبهات إذا فرضت الظروف ذلك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك