لم يعد ما يحدث في الجنوب اللبناني مجرد خروقات عادية، بل «حرب منخفضة الوتيرة» تخفي خلف الهدوء الهش سيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات.
على الأرض، يتحرك الجيش الإسرائيلي عبر عشرات النقاط جنوب الليطاني ليعيد رسم خطوط السيطرة، مستخدماً الهندسة العسكرية وتشييد القواعد الجديدة، ومستغلاً في ذلك الفراغ الميداني الناشئ عن تراجع حزب الله شمالاً، وخطة حصر السلاح، وإخلاء مواقع الجيش اللبناني في المنطقة العازلة.
لكن هذا التمدد الإسرائيلي تقابله عمليات مستمرة لحزب الله تبدلت طبيعتها لتصبح أكثر مرونة وقساوة.
فبين مسيّرات وصواريخ تنطلق من الشمال، وصواريخ كورنيت تُطلق من مسافات صفرية مباغتة، يتضح أن الجنوب لا يزال يخبئ تحت أرضه وفوقها جيوباً قتالية وبؤراً خفية تتحرك بمرونة وتتربص بالقوات المتمركزة، مما يجعل المشهد ينذر بجولة مواجهة أوسع قد تنفجر في أي لحظة.
تتوزع القوات الإسرائيلية في تجمعات عسكرية كبيرة داخل بلدات: حلتا، رشاف، الطيري، القنطرة، القوزح، الطيبة، دير سريان، عيناثا، عيترون، كفركلا، البياضة، والناقورة.
وفي ميس الجبل، أُنشئت إسرائيل قاعدة مدفعية كبيرة مع أعداد ضخمة من الآليات، في حين يشهد طريق زوطر تجمعاً عسكرياً واسعاً، بالتوازي مع إنشاء مركز كبير داخل مدينة الخيام الحدودية بالقرب من المسجد.
ورغم هذا الانتشار، تتواصل المواجهات على عدة محاور، هي كالتالي:* البياضة – المنصوري – مجدل زون – بيوت السيادوفق معلومات ميدانية فإن حزب الله يطلق أغلب هجماته من المسيّرات والصواريخ من شمال الليطاني.
وتحمل التحركات الإسرائيلية مؤشرات على تحضير ميداني لتوسيع العملية العسكرية في عمق الجنوب إذا فشلت المفاوضات، حيث تظهر محاولات التقدم نحو المنصوري ومجدل زون بوضوح، ترافقها غارات مكثفة تمتد شرقاً نحو كفرا وحداثا وحاريص وصربين، كاختبار تدريجي لخطوط التوسع المقبلة.
وفق معلومات خاصة بالغد، فقد أنجز الجيش اللبناني جزءاً واسعاً من مهمته ضمن خطة «درع الوطن»، حيث قام بمسح وتنظيف الأودية والمناطق المفتوحة والخالية من السكان جنوب الليطاني.
وأسفرت العمليات عن:• مصادرة أكثر من 4,500,000 قطعة ذخيرة وسلاح.
• مصادرة وإغلاق أكثر من 180 نفقاً ومنشأة تابعة لحزب الله (علماً أن بعض الأنفاق التي عرضها الجيش الإسرائيلي لاحقاً كـ«اكتشافات جديدة» كان الجيش اللبناني قد دخلها سابقاً وأغلقها).
في المقابل، تعرضت مراكز الجيش اللبناني داخل الخط الأصفر أو المنطقة العازلة لتدمير كامل وتجريف من قبل الجيش الإسرائيلي، كما تراجع عدد عناصره في القطاع من 10 آلاف إلى نحو 7 آلاف عنصر، يعيشون ظروفاً صعبة ويواجهون استهدافات متكررة، فيما يبقى الجيش حاضرا بمراكزه في قرى وبلدات العرقوب التي تقع ضمن الخط الأصفر.
وفي سياق الرد على الاتهامات الإسرائيلية بخصوص حصر السلاح، أظهرت معطيات ميدانية أن مصادر نيران وعمليات حزب الله باتجاه قوات الجيش الإسرائيلي انطلقت غالبيتها من مناطق داخل جنوب الليطاني ولكن من أماكن لم يدخلها الجيش لكونها كانت تتطلب أذونات حكومية لتفتيش الأملاك الخاصة.
وهذا يثبت أن المناطق المفتوحة التي مسحها الجيش ونظفها بالكامل لم تُستخدم لإطلاق أي مقذوف.
في الوقت الحالي، تبدو آلية التنسيق العسكري بين الجيش اللبناني ولجنة الميكانيزم شبه مشلولة، وتقتصر حالياً على الجوانب الإنسانية فقط (إخلاء الجرحى، إدخال المساعدات، وتسهيل الوصول إلى القرى الآهلة في المنطقة العازلة)، بينما ينعدم التنسيق الأمني والعسكري الفعلي.
أما الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية فمنذ اعلان الهدنة، سجل 1653خرقا إسرائيليا في جنوب الليطاني، وتخطى عدد الإنذارات للقرى بالاخلاء شمال وجنوب الليطاني إلى أكثر من 100بلدة وقرية.
تكشف كواليس المفاوضات السياسية، ولا سيما خلال اليومين الماضيين، عن محاولات لفرض واقع سياسي لا يتماشى مع تعقيدات الميدان.
يتجلى ذلك في الطروحات الأميركية التي تتحدث عن تعزيز دور الجيش اللبناني في نزع سلاح حزب الله عبر مقترح إنشاء ألوية خاصة؛ وهو طرح يقرأه التحليل الميداني والسياسي كمخاطرة كبرى تعيد استنساخ تجربة الثمانينيات (الكتيبة 82 و101 والقوة الضاربة)، والتي انتهت تاريخياً بانقسامات داخلية حادة، مما يعني أن إعادة إنتاجها اليوم تحت ضغط مفاوضات الساعات الماضية قد يفتح الباب مباشرة أمام صدام داخلي يهدد وحدة المؤسسة العسكرية نفسها.
تُلقي هذه الأجواء بظلالها على الاجتماع الأمني المرتقب في 29 مايو/أيار بوزارة الدفاع الأميركية بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي؛ حيث تبدو التوقعات منخفضة جداً بالنظر إلى مسار النقاشات في اليومين الأخيرين، والتي تُظهر أن إسرائيل تبحث عن «صورة التفاوض» كغطاء سياسي أكثر من بحثها عن نتائج فعلية، في وقت يفرض فيه الميدان إيقاعه متقدماً على أي مسار سياسي.
هذا التعقيد الدبلوماسي يعيد فتح الملف الأكثر حساسية في المفاوضات الحالية: مستقبل قوات «اليونيفيل».
فالنقاشات الجارية اليوم تصطدم بحقيقة أن الواقع الراهن يختلف جذرياً عن مرحلة صدور القرار 1701؛ إذ لم يعد الأمر يقتصر على خروقات، بل بات يرتبط باحتلال إسرائيلي مباشر وتمركز دائم داخل البلدات الحدودية.
هذا التحول الميداني الذي فرضه الأمر الواقع يضع القوات الدولية أمام خيارات مصيرية معقدة تبدأ من احتمال الانسحاب أو تقليص الدور، وصولاً إلى بحث مجلس الأمن عن بديل جديد يتناسب مع الوقائع المستجدة على الأرض.
يمر الجنوب اللبناني بمرحلة انتقالية خطيرة يسودها فراغ ميداني تحاول إسرائيل ملأه بالنار والقواعد، بينما يحافظ حزب الله على قدرة اشتباك مرنة، ويحاول الجيش اللبناني الإمساك بأرض تنهار قواعدها تدريجياً.
ويبقى السؤال المطروح هو «متى» ستشتعل الجبهة مجدداً وليس «إن» كانت ستشتعل، خاصة مع قيام احتمال انهيار المسار الإيراني - الأميركي والعودة إلى حرب أوسع من نفس النقاط الحالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك