يتساءل كثيرون من منا لم يقرأ كتابًا وتمنى لو أنه هو من كتبه، لكن الإشكال يصبح أكثر تعقيدًا عندما يكون القارئ نفسه كاتبًا، إذ تتداخل هنا علاقة الإنتاج بالاستقبال داخل التجربة الأدبية.
وفي هذا السياق تبرز تساؤلات عن كيفية تعاطي الكاتب مع هذا الشعور المركب، فبينما يكتفي بعض الكتاب بالإعجاب بما يقرؤونه من أعمال الآخرين، يجد آخرون صعوبة في تجاوز فكرة أن الأفكار التي يريدون التعبير عنها قد طُرحت مسبقًا، ما قد يدفعهم أحيانًا دون وعي إلى تبني أفكار الغير أو الاستحواذ عليها.
وهنا لا يدور الحديث عن السرقة الواعية، بل عن نوع غير واعٍ منها، فكما أن للكتابة أبعادها النفسية، فإن للانتحال أيضًا آلياته النفسية الخاصة.
ميشيل شنايدر وكتاب" سراق الكلمات"ينطلق الكاتب الفرنسي ميشيل شنايدر في كتابه" سراق الكلمات" من تحليل الآليات غير الواعية للسرقة الأدبية، حيث يقسم أنماط الكتابة إلى ثلاثة أنواع: من يكتب دون قراءة، ومن يكتب أثناء القراءة، ومن تعيق قراءته كتابته.
ويرى شنايدر أن القراءة قد تتحول إلى ملاذ يلجأ إليه الكاتب لمواجهة ضعف الكتابة، بحيث تتدخل النصوص المخزنة في الذاكرة في عملية الكتابة بين اليد والورقة.
ومن هنا يظهر مفهوم" الكاتب المريض" الذي لا يميز بين ذاته والآخرين، ويجد نفسه مندمجًا ومنعكسًا في كتابات الآخرين، إلى درجة فقدان الحدود الفاصلة بين النصوص والذات.
أما الكاتب السويسري دانييل سانسو، فيستخدم استعارة" مصاصي الدماء"، ليُظهر أن هناك من يعيش على امتصاص نصوص الكتّاب، سواء كانوا أمواتًا أو أحياء.
ويطرح سونسو تصورًا للعلاقة المعقدة بين الكتّاب، التي قد تتخذ أحيانًا شكل تعاون غير مباشر، حيث يمكن لـ" مصاص الدماء" أن يغوي الكاتب الآخر ويدفعه إلى قراءة النص أو تقييمه.
لكن الضحايا، بحسب هذا الطرح، ليسوا دائمًا غير واعين، فقد يكون الكاتب نفسه شريكًا واعيًا في عملية" الامتصاص"، لتصبح الحدود بين التعاون والاستغلال غير واضحة.
الانتحال بين التمويه وإعادة الصياغة الفنيةمن جانبها، تطرح الناقدة الفرنسية إلين موريل إندارت فكرة أن إحدى إشكاليات السرقة الأدبية، تكمن في إمكانية تحولها إلى ممارسة أدبية ذات طابع جمالي.
فالمنتحل قد يلجأ إلى تمويه فعله عبر إعادة صياغة النصوص بأساليب فنية، مثل تغيير التراكيب اللغوية وتعديل الإيقاع، ما يجعل النص المسروق يبدو مختلفًا وجذابًا في الوقت نفسه، رغم أنه قائم على مادة سابقة.
ممارسة" الباستيش" كأداة للتحرر من التكرارلكن بالعودة إلى الروائي الفرنسي مارسيل بروست، نجده قد انتبه مبكرًا إلى هذه الإشكالية، وأدرك أن تأثير بعض الكتّاب قد يقود إلى انتحال غير واعٍ.
ومن هنا جاءت ممارسة" الباستيش"، وهو أسلوب كتابة يعتمد على محاكاة أسلوب كاتب آخر بشكل واعٍ، لا بهدف السرقة، بل كنوع من التدريب الأدبي الذي يساعد الكاتب على التحرر من تأثير الكاتب الذي يحبه.
فبدلًا من تقليده بشكل غير واعٍ، يقوم الكاتب بتقليده بوعي كامل، بهدف فهم آلياته وتجاوزها لاحقًا، وتحويل التأثر إلى وعي نقدي وإبداعي.
أسئلة مفتوحة حول الانتحال وعلاقة القراءة بالكتابةتظل أسئلة كثيرة مطروحة حول السرقة الأدبية وعلاقة القراءة بالكتابة، ومدى اختلاف أشكال الانتحال باختلاف الحقول الأدبية والفكرية.
ويرى ميشيل شنايدر أن الكتابة، على تعدد أنواعها، محفوفة بالمخاطر، وأنه بقدر ما يجب التصدي للانتحال، ينبغي أيضًا التخلي عن وهم أصالة الكاتب الذي رسخه التيار الرومانسي، والذي يفترض أن الكتابة تنطلق من الصفر وبشكل نقي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك