بعدما ظنّ أن محافظة نانتير، حيث يسكن مع عائلته بالقرب من باريس، استدعته أخيراً لتسليمه تصريح إقامة طال انتظاره، خرج الناشط السياسي الفلسطيني رامي شعث من مقرّ المحافظة بإخطار رسمي تخبره فيه السلطات الفرنسية بأنها تنوي ترحيله من البلد باعتباره" خطراً على النظام العام".
يقول شعث، في حديث إلى" العربي الجديد"، إنّه تلقّى الرسالة" بعد سنتين ونصف سنة من التضييق والتلاعب"، مضيفاً أنّه فوجئ بتحوّل ملفّه من طلب إقامة إلى رغبة بطرده من البلد الذي يقيم فيه منذ عام 2022 مع زوجته وابنته الفرنسيّتَين.
ويؤكد شعث أن الإخطار الذي قُدّم إليه" لا يتضمّن أي تهمة جنائية"، بل يستند بالكامل إلى مواقفه السياسية التي يدافع فيها عن القضية الفلسطينية.
يقول: " كل القضية قائمة على أنني أشارك في تظاهرات وأعبّر عن آرائي السياسية في محاضرات ومؤتمرات.
هم لا يتهمونني بالعنف ولا بالدعوة إليه، ولا بمعاداة السامية، لأنني لم أقم بأي من هذه الأمور.
فكيف أصبحتُ خطراً على أمن فرنسا؟ ".
وبحسبه، فإن الوثيقة التي تسلّمها تتضمّن إحالات مباشرة إلى خطاباته ومشاركاته في فعاليات عمومية، بما في ذلك انتقاده حل الدولتين ودفاعه عن إقامة" دولة فلسطينية ديمقراطية من البحر إلى النهر".
ويضيف: " قلت إن حل الدولتين خدعة استُخدمت طوال ثلاثين عاماً لاستعمار بلدنا، وسأقول ذلك غداً أيضاً.
أين الجريمة في هذا؟ ".
ويعتبر أن السلطات الفرنسية" تعامل الهوية الفلسطينية نفسها باعتبارها تهديداً"، مضيفاً أن" خطابي السياسي وهويتي الفلسطينية ودفاعي عن حقوق شعبي أصبحت بالنسبة للحكومة الفرنسية جرائم".
ويرى أن ما يجري معه يندرج ضمن" حملة أوسع تستهدف الحراك الداعم لفلسطين في فرنسا منذ بدء الحرب على غزة".
ويشرح شعث أن الإجراء الحالي لا يزال في مرحلته الأولى، إذ ستُعرض قضيته في 21 مايو/ أيار الحالي على اللجنة الإقليمية للترحيل في نانتير، وهي هيئة استشارية يفترض أن تبدي رأياً قبل اتخاذ القرار النهائي.
لكنّه يقلّل من أهمية هذه المرحلة قائلاً إن السلطات" ملزمة قانونياً بعرض الملف على اللجنة، لكنها غير ملزمة بالأخذ برأيها"، مضيفاً: " قد ترفض اللجنة الترحيل، ثم تأتي السلطات في اليوم التالي لترحيلي واتخاذ قرار آخر".
وفي حديثه إلى" العربي الجديد"، يصف شعث مضمون الملف الأمني المرفق بالإجراء الإداري بأنه" مليء بالعنصرية واللغة الإسرائيلية"، على حد تعبيره.
ويقول إن الوثيقة تُسهب في الحديث عن علاقاته بحركات ومجموعات فرنسية داعمة لفلسطين، أو عن نشاطه في حركة" أورجانس فلسطين" التي شارك في تأسيسها، إضافة إلى مشاركته في ندوات وتظاهرات يقول إنها جميعاً مرخّصة قانونياً.
ويضيف ساخراً أن" أحد المقاطع في الوثيقة يقول إنني كنت أرتدي لباساً عسكرياً وأتصرف كجنرال خلال إحدى الندوات، بينما كنت أرتدي كنزة وبنطال جينز وأشرح تاريخ فلسطين في فعالية ثقافية.
هل عليّ أن أرفع قضية على الشركة التي اشتريت منها الملابس لأنها تتسبب لي بمشاكل؟ ".
كما يتهم السلطات بالاستناد إلى تقارير وشكاوى صادرة عن منظمات داعمة لإسرائيل، قائلاً إن بعض الفقرات الواردة في الملف" منسوخة حرفياً" من حملات شنّتها ضده مجموعات ضغط صهيونية في فرنسا.
ويضيف أن الملف يتضمن أيضاً إشارات إلى اتصالات أجراها مع" مؤسسات ثقافية ومثقفين فلسطينيين حول العالم"، معتبراً ذلك دليلاً على" مراقبة أمنية لاتصالاتي، وهو ما لا يقوم على أي أساس قانوني".
وكان شعث قد خضع العام الماضي لتحقيقات تتعلق بشبهة" تمجيد الإرهاب"، بعدما قال محافظ باريس حينها، وزير الداخلية الحالي لوران نونيز، إن شعث" تجاوز الخطّ الأحمر" عبر تصريحات قال نونيز إن شعث ألقاها في تظاهرة دعم للشعب الفلسطيني نُظمت في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 في باريس.
وذكر نونيز أن شعث أعلن حينها أن" الإرهاب الحقيقي هو إسرائيل"، وهو ما قرأه المسؤول الفرنسي باعتباره" إشارة إلى أن حماس ليست إرهابية".
غير أن القضاء الفرنسي أغلق الملف في يونيو/حزيران 2025 بعد عدم ثبوت أدلّة تخوّل بتوجيه التهمة المذكورة إلى شعث، وفق ما أعلنه محاموه.
ويرى الناشط الفلسطيني اليوم أن السلطات الفرنسية، بعدما" فشلت في إيجاد أي أساس جنائي"، انتقلت إلى استخدام إجراءات إدارية استثنائية لترحيله.
وفي ما يتعلق بإمكانية اتخاذ قرار الترحيل النهائي وتنفيذه، يقول شعث إن السلطات الفرنسية لا تستطيع ترحيله لا إلى مصر، التي سُحبت منه جنسيتها بعد الإفراج عنه من سجونها عام 2022، ولا إلى الأراضي الفلسطينية، حيث تمنع القوانين الأوروبية الترحيل إلى مناطق تشهد نزاعات وحروباً مثل غزة.
ويضيف أن السيناريو الأقرب، في رأيه، هو إبقاؤه داخل فرنسا من دون حقوق قانونية: " الخطر الحقيقي هو إبقائي في وضع هش، بلا إقامة، بلا حق في العمل أو السفر، وتحت تهديد دائم بالإقامة الجبرية والملاحقات الإدارية".
ويؤكد شعث أن الضغوط لم تبدأ مع قرار الترحيل، بل رافقته منذ وصوله إلى فرنسا، ويقول إن السلطات عطّلت تجديد إقامته منذ خريف 2023، ما أدى إلى توقفه عن العمل وإغلاق حسابه البنكي وتعليق استفادته من التأمين الصحي، رغم خضوعه سابقاً لعمليتين جراحيتين في القلب.
ويضيف: " ذهبت يوماً لشراء دوائي، فقيل لي إن بطاقتي الصحية موقوفة لأن إقامتي غير مجددة".
ويشير إلى أن هذه الإجراءات انعكست أيضاً على حياته العائلية، باعتباره زوجاً لمواطنة فرنسية وأباً لطفلة فرنسية، لكنّ السلطات تتعامل وكأن زوجته وابنته" غير موجودتين".
وهو يعتبر أن القضية" تجاوزت الضغط السياسي إلى استهداف الحياة العائلية نفسها".
وفي مقابل موقف السلطات الفرنسية، يؤكد شعث تلقيه دعماً من منظمات حقوقية وشخصيات سياسية قبل جلسة 21 مايو/ أيار، مشيراً إلى تواصل منظمة" أمنستي" معه، إلى جانب مقررين أمميين ومنتخبين محليين فرنسيين.
ويختم شعث حديثه بالقول: " إذا أرادوا ترحيلي أو حبسي فليفعلوا ذلك أمام الشعب الفرنسي.
ما أرفضه هو أن تتحول فرنسا إلى دولة تعاقب الناس على آرائهم السياسية باسم حماية إسرائيل".
من جهتها، تؤكد محامية شعث داميا طهراوي، في تصريح لـ" العربي الجديد"، أن إخطار ترحيله يستند بالكامل إلى تصريحات ومواقف سياسية علنية، وليس إلى أي إدانة قضائية.
وقالت إن السلطات الفرنسية تعتمد خصوصاً على مشاركته في تأسيس منظّمة" أورجانس فلسطين" واستخدامه شعارات سياسية مثل" من النهر إلى البحر" وانتقاده حل الدولتين.
وتشدد طهراوي على أن رأي اللجنة الإقليمية للترحيل" غير ملزم قانونياً"، مرجّحة أن تستمر السلطات في مسار الترحيل مهما كان موقف اللجنة.
كما أوضحت أن الأجهزة الأمنية أوصت بالفعل بفرض إقامة جبرية على شعث، مع إلزامه بالحضور اليومي إلى مركز الشرطة.
وتحمل القضية مفارقة سياسية، إذ كان شعث قد وصل إلى فرنسا عام 2022 بعد ضغوط دبلوماسية شاركت فيها باريس للإفراج عنه من السجون المصرية.
وقد رحّب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حينها بوصوله إلى باريس، حيث كتب آنذاك في منشور على منصة إكس مطلع 2022: " أرحّب بقرار السلطات المصرية الإفراج عن رامي شعث.
وأشارك زوجته سيلين لوبران في ارتياحها للقائه مجدداً في فرنسا.
نحن لم نتخلَّ هذه عن القضية.
أشكر كل من لعب دوراً إيجابياً في هذه النهاية السعيدة".
ويعلّق شعث على هذا التغيّر بالقول: " تغيّر كل شيء منذ بداية الحرب في غزة.
فرنسا التي استقبلتني باسم حقوق الإنسان أصبحت اليوم، في رأيي، تجرّم كل خطاب فلسطيني لا يتطابق مع السردية الإسرائيلية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك