لم يكن مراسل شبكة الجزيرة هشام زقوت في قطاع غزة يغادر الحرب مع نهاية يومه ثم يعود إلى منزله، بل كان يعيشها بكل تفاصيلها، نازحا بين الخيام، يطارد الأخبار تحت القصف، ويبحث في وجوه الشهداء عن أفراد عائلته، بينما يحاول إبقاء صوت غزة حيا على الهواء.
ووفقا لحلقة 2026/5/17 من بودكاست" بعد البث" (يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط)، فإن زقوت لم يصدق نجاته أو خروجه من قطاع غزة بعد عامين ونصف من التغطية المتواصلة، مؤكدا أن الحرب بقيت تلاحقه حتى بعد المغادرة، في يقظته وأحلامه، بعدما عاش واحدة من أقسى التجارب الإنسانية والمهنية.
list 1 of 4شهداء يروون قصص شهداء.
الجزيرة تدفع ثمن الحقيقة في غزةlist 2 of 4في يوم الوفاء لهم: صحفيو فلسطين شكلوا خط الدفاع الأول عن الحقيقة في 2025list 3 of 4شهداء الجزيرة في غزة.
أصوات وعيون اغتالتها إسرائيل للتعتيم على الإبادةlist 4 of 4كيف تحول صحفيو غزة إلى ضحايا “رخصة القتل” الغربية لإسرائيل؟وأوضح أن أول ليلة خارج غزة كانت مختلفة تماما، بعدما اعتاد لعامين الاستحمام بالماء البارد والنوم على الأرض داخل خيام النزوح، مشيرا إلى أنه حلم بعجزه عن خلع خوذة الصحافة التي لازمته طوال الحرب حتى شعر بأنها تخنقه وتمنعه من التنفس.
وخلال الأشهر الأولى، كانت عائلته لا تزال داخل غزة، بينما كان يقضي معظم وقته بين المستشفيات ومواقع القصف.
وقال إنه اعتاد تفقد وجوه الشهداء والمصابين مع وصول سيارات الإسعاف، خوفا من أن يجد أحد أفراد أسرته بينهم.
وروى أن شقيقيه وعائلتيهما أصيبوا بعد قصف شقة مجاورة لهم، في وقت كانت فيه الاتصالات مقطوعة وسيارات الإسعاف عاجزة عن الوصول.
وأضاف أنه توجه بنفسه مع زملائه لإنقاذهم ونقلهم إلى المستشفى وسط ظروف كارثية ونقص حاد في الإمكانيات الطبية.
وأكد زقوت أن عشرات من أفراد عائلته استشهدوا خلال الحرب، بينهم أبناء عمومته وأطفال ونساء وعائلات كاملة مُسحت من السجل المدني، مضيفا أن كل بيت في غزة تقريبا فقد عددا من أفراده تحت القصف الإسرائيلي المتواصل.
وتحدث عن رحلة نزوح طويلة عاشتها عائلته بين الزوايدة ورفح والنصيرات، بينما كانت زوجته حاملا، مشيرا إلى أنه عاش لحظات عجز قاسية عندما دخلت مرحلة الولادة خلال قصف إسرائيلي عنيف، دون أن يتمكن من الوصول إليها أو نقلها للمستشفى.
وأشار إلى أنه أقنع زوجته لاحقا بمغادرة غزة حفاظا على حياتها وحياة الأطفال، خاصة بعد انهيار القطاع الصحي، فأنجبت طفلته" لين" في القاهرة، التي لم يرها إلا بعد عام ونصف، بعدما منعته الحرب والحصار من مغادرة القطاع.
وقال إن ابنته الصغيرة كانت تنادي شقيقها" سمير" بعبارة" بابا الصغير"، لأنها لم تعرف رجلا آخر في البيت طوال تلك الفترة، مؤكدا أن لقاءه بأطفاله بعد خروجه من غزة كان من أصعب اللحظات التي عاشها في هذه المرحلة.
وأكد زقوت أن صحفيي الجزيرة تحولوا خلال فترات انقطاع الاتصالات إلى المصدر الوحيد للأخبار داخل غزة وخارجها، بعدما دمرت إسرائيل البنية التحتية للاتصالات وأغلقت معظم وسائل البث، في وقت كان الأهالي يتناقلون الأخبار شفهيا اعتمادا على ما يبثه الصحفيون.
وأوضح أن الهاتف المحمول تحول إلى وسيلة حياة متكاملة، فهو أداة للبث والتصوير والتواصل والعمل، في ظل تدمير المكاتب وانعدام أي بيئة عمل طبيعية داخل القطاع، مضيفا أن جميع المراسلين اعتادوا إبقاء هواتفهم على الوضع الصامت طوال الوقت.
وكشف أنه كتب وصيته بعد استشهاد أفراد من عائلة زميله وائل الدحدوح، ثم عاد وحدثها بعد استشهاد زميله إسماعيل الغول، مشيرا إلى أن الأصعب من كتابة الوصية كان التفكير في الشخص الذي سيتسلمها.
ووصف زقوت نفسه بأنه" وكيل الموت"، لأنه ودع عددا كبيرا من زملائه وأقاربه خلال الحرب، مؤكدا أن أكثر ما كان يؤلمه فقدان الأشخاص الذين اعتقد أنهم سيبقون دائما جزءا من حياته اليومية والمهنية داخل غزة.
وعند حديثه عن زملائه الشهداء، استعاد ذكريات مؤثرة مع الصحفيين الذين قضوا خلال التغطية، ومن بينهم سامر أبو دقة وحمزة الدحدوح وأنس الشريف، مؤكدا أن العمل كان وسيلتهم الوحيدة للهروب من الانهيار النفسي.
وقال إنهم كانوا" يهربون من التفكير إلى الشغل"، لأن التوقف عن العمل كان يعني الاستسلام للصدمة، مضيفا أن كل مراسل كان يشعر بأنه مطالب بمواصلة نقل الصورة مهما كانت الخسائر الشخصية والضغوط النفسية المحيطة به.
وأوضح زقوت أن جميع طواقم الجزيرة عاشت داخل خيام النزوح مثل بقية أهالي غزة، مؤكدا أنهم ناموا على الأرض لعامين ونصف، وتقاسموا المهام اليومية بين الطهي والتنظيف والبحث عن الطعام، في وقت كانوا يعيشون فيه على وجبة واحدة يوميا.
وأضاف أن الحصار الإسرائيلي أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار الطحين، حتى وصل ثمن كيس الطحين إلى نحو 1700 دولار، مشيرا إلى أن السكان كانوا يدفعون المال والذهب وحتى حياتهم للحصول على الطعام وسط مجاعة متفاقمة.
وتحدث عن ظاهرة" تجارة الكاش" التي انتشرت في غزة بسبب إغلاق البنوك، حيث كان السكان يخسرون قرابة 40% من أموالهم مقابل الحصول على سيولة نقدية، في وقت كان الجوع والخوف يطاردان الجميع بلا استثناء.
كما كشف أنه أجرى عملية جراحية بسيطة في كتفه دون تخدير بسبب نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، ثم عاد مباشرة إلى العمل مرتديا الدرع الواقي الذي كان يزن نحو 15 كيلوغراما ويلازمه لساعات طويلة يوميا.
وشدد زقوت على أن الحرب أثبتت عدم وجود أي مكان آمن في غزة، مؤكدا أن استهداف الصحفيين كان سياسة ممنهجة لإسكات صوت القطاع ومنع نقل الحقيقة، خاصة بعد استهداف عائلات الصحفيين وخيامهم ومقار وجودهم بشكل مباشر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك