يستدعي فوز" تنويعات على ثيمة" بجائزة النمر الذهبي، في الدورة الـ55 (29 يناير/كانون الثاني ـ 8 فبراير/شباط 2026) لمهرجان روتردام السينمائي، التفكير بالقناعات الموجبة لمنح لجنة تحكيم المسابقة الرسمية جائزتها لفيلم غاية في البساطة، أقلّه في الظاهر، ومدته تتجاوز الساعة الواحدة بقليل (65 د.
)، وإيقاع سرده يتّسم ببطء شديد، وحكايته مجزّأة، لا سياق مُتصلاً لها، يحتاج من المشاهد صبراً كبيراً لمتابعته.
في هذا السؤال ـ التوصيف ضمناً دعوة إلى فهم المُنجز، وتقييمه في سياق آخر، يختلف عن السياقات النقدية التقليدية، طالما أنه مختلف حقاً.
لفهمه، لا بدّ من النظر إليه من خصوصية وفرادة أسلوب صانِعَيه جيسون جاكوبس وديفون ديلمار (جنوب أفريقيا)، وملامح الأسلوب يُبيّنها أول روائي مشترك لهما: " كاريسا" (2024).
الفضاء العام في" تنويعات على ثيمة" (2026) سيكون نفسه تقريباً في" كاريسا": قرية جنوب أفريقية بسيطة، يحيط بها فضاء طبيعي رائع الجمال.
فيه، يعيش مزارعون سود على حافة الفقر، مُعرّضون دائماً لاستغلال طبقي، وتمييز متجذّر بعنصرية أبارثيدية، عانوها والبلد قروناً.
حكايته عن امرأة عجوز، ترعى ماشيتها وحيدة، وتعيش في بيت من صفيح.
تفاصيل يومها تتكرّر، وتدخل عليه تغييرات بسيطة، ما يجعل حياتها في سهول كارو (الأطراف الجبلية لمنطقة كامسبيرغ) كأنها سمفونية موسيقية هادئة، يتنوّع أسلوب توزيعها وعزفها من دون تغيير في أصلها.
الأسلوب السينمائي البطيء في الفيلمين يُقارب مفهوم التنويع اللحني، كما يقارب بينهما الصمت بوصفه تعبيراً عن حالة جوانيّة تستدعي التفكير في الأسئلة الوجودية للإنسان.
في مشهد صباحي، أثناء رعيها معزاتها، تسأل العجوز هيتي نفسها (مونولوغ داخلي): كيف تنظر المعزات إليّ؟ هل تراني إلهة لها؟ السؤال نفسه يطرحه المخرجان وكاتبا السيناريو للفيلمين عن كيف ينظر إليهم المتحكّمون بهم، وكيف ينظرون هم إلى العالم والطبيعة المحيطة بهم.
هل المتحكّمون بهم اليوم هم أنفسهم الذين أخذوا منهم أحبّتهم إلى الحرب، وعادوا منها فقراء، كما ذهبوا مع آخرين إلى القتال في بلاد بعيدة، لا يعرفون شيئاً عنها، وسقطوا فيها؟على خلفية حدث واقعي، يؤسّس جاكوبس وديلمار حكاية فيلمهما الجديد.
أشرطة تصوير قديمة يظهر فيها والد هيتي عائداً من الحرب العالمية الثانية، بعد مشاركته في سلاح المهندسين السود، على دراجة هوائية، منتعلاً حذاء جلدياً.
دراجة هوائية وحذاء: هذا كل ما حصل عليه من الحرب.
واليوم، يُروِّج محتالون لمشروع جديد، يقنع سكان القرية للحصول على قسيمة" زرقاء" مقابل دفعهم مبلغاً من المال، تتضمن معلومات شخصية، وطلب الحصول على تعويضات من الدولة عن الفترة التي جُند فيها رجالهم للحرب.
خديعة أخرى للرجل الأبيض تصدّقها العجوز هيتي (هيتي فارمر، جدة جيسون جاكوبس.
شخصية حقيقية، كالشخصيات الأخرى في الفيلم)، وتقبل المضي فيها، كما يتناقلها جيرانها، لتغدو واقعاً.
هذا البعد الواقعي يمنح النص الروائي نَفَساً وثائقياً، لا يتأتى من الشخصيات الحقيقية المشاركة فيه، ولا من الحكاية فحسب، بل من الجو الذي تصنعه الكاميرا للمناطق التي يعيشون فيها، وتنقله بكل جماله ووحشيته (التصوير المذهل للفيلمين بإدارة غراي كوتزي).
هذا المناخ، المنقول بشاعرية حزينة، يشبه تماماً المناخ الذي نشأت فيه الشابة كاريسا (غريتشين رامسدين، الفيلم الأول)، وتناقضت حياتها فيه بين ميل إلى الهرب من بؤس عيش سائد، ورغبة في التحرّر والخروج إلى منطقة أخرى أبعد منها.
في الفيلمين، ترك المخرجان للكاميرا والشخصيات الحقيقية رسم المشهد العام للقرى الجنوب أفريقية، في ظلّ إهمال ووعود كاذبة برفاه مرتجى.
في كتابتهما، يتحرّران من القواعد التقليدية للسرد، إذ يستبدلانها بقصص مُجزأة.
في" تنويعات على ثيمة"، تتجاور قصة العجوز قصة جارها، الذي يحفر أرض غرفة المعيشة بحثاً عن ألماس.
يحفر ويستمع الوقت كلّه إلى السمفونية التاسعة لبيتهوفن، المنبعثة عالياً من مُسجّل قديم.
وتحوّطاً للمقبل، يبيع حلاق القرية أدواته القديمة، ويستدين مالاً لشراء أخرى جديدة تلائم التغيير المنتظر.
الجارات يتبادلن قصصاً، تضفي على الحكاية الأصلية تنويعاً، تبدو كأنها منفصلة لكنها في الواقع متلاصقة، يجمعها المكان الذي تظهر منه، وتغيب مع الوقت من ذاكرة أجيالها الجديدة.
هذا يحصل بشكل مقارب أيضاً في حكاية فيلمهما الأول، فكما تحلم العجوز هيتي وبقية أهل القرية بالحصول على تعويض واجب، ينتظر سكان قرية وبرتال (أعالي جبال سيدربيرغ) الحصول على فرصة عمل في مشروع بناء ملعب غولف، تعهّدت شركة بناء بإنجازه قريباً من مناطقهم (كاريسا).
انتقال الصبية المتمرّدة إلى قرية جَدّها هِندريك (هِندريك كريل، شخصية حقيقية في القرية) في أعالي الجبال، حيث يزرعون شاي الريبوس، وحيث مكان المشروع المزعوم، يغيّر نظرتها إلى العالم المحيط بها، وتبدأ فهمه والانسجام معه، بمرور الوقت.
هكذا تفعل العجوز هيتي دائماً في مكانها رغم فقره.
ولحبها له ولمعزاتها، تصرّ على البقاء فيه، وترفض دعوات أولادها للذهاب معهم إلى المدينة.
فهيتي وجَدة كاريسا تُفضّلان الموت في المكان الذي ولدتا وعاشتا فيه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك