أعاد اكتشاف مقبرة جماعية جديدة في منطقة الصقلاوية شمالي مدينة الفلوجة بمحافظة الأنبار غربي العراق، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في البلاد، وسط تصاعد الجدل بشأن هوية الضحايا والجهة المسؤولة عن تصفيتهم.
وأعلنت مؤسسة الشهداء (تشكلت بعد العام 2003 معنية بمتابعة ملف الشهداء وحقوقهم) السبت، مباشرة فرقها المختصة بأعمال فتح مقبرة جماعية كبيرة في منطقة سهل عكاز التابعة لبلدة الصقلاوية، بالتزامن مع إحياء اليوم الوطني للمقابر الجماعية الذي يوافق السادس عشر من مايو/أيار من كل عام.
وأشارت المؤسسة، في بيان، إلى أن تلك المقابر" تعود لضحايا فترة النظام السابق خلال ثمانينيات القرن الماضي".
وتفقّد محافظ الأنبار، رئيس اللجنة الأمنية العليا في المحافظة، عمر مشعان دبوس، الأحد، موقع المقبرة الجماعية مؤكداً ضرورة التعامل مع الملف" بأقصى درجات المسؤولية"، مشدداً على" أهمية استكمال الإجراءات القانونية والفنية الخاصة بالموقع بما يسهم في تحديد هوية الضحايا وكشف ملابسات القضية وفق السياقات المعتمدة".
وأكد المحافظ، بحسب بيان، " ضرورة متابعة أعمال الكشف والتحقيق بما يضمن إنصاف عائلات الضحايا وإظهار الحقائق أمام الرأي العام"، في إشارة تعكس حجم الحساسية التي باتت تحيط بالملف داخل الأنبار، حيث لا تزال قضية المغيبين تمثل واحدة من أكثر القضايا إيلاماً في الذاكرة المحلية.
وحذر القيادي في المجلس السياسي الوطني السني، خميس الخنجر، من أن" إعلان العثور على مقبرة جماعية جديدة في منطقة الصقلاوية بمحافظة الأنبار، والتي تقع ضمن مناطق التغييب القسري التي تعرض لها الأهالي على يد المليشيات الطائفية، يُعتبر تطورا كبيرا يضع الجهات المختصة، وعلى رأسها القضاء العراقي، أمام مسؤولية وطنية وقانونية لا تحتمل التأخير".
كما دعا إلى الإسراع بكشف هوية الضحايا من خلال إجراء فحوص الحمض النووي (DNA) وتمكين عائلاتهم من معرفة مصيرهم، وشدد على ضرورة فتح تحقيق مستقل وشفاف بإشراف الجهات المختصة ومشاركة فرق الطب العدلي والمنظمات الحقوقية لتوثيق الجرائم ومنع طمس الأدلة.
تشكيك في بيان مؤسسة الشهداء بشأن مقبرة الصقلاويةوأثار بيان مؤسسة الشهداء بشأن نسبة المقبرة المكتشفة إلى النظام السابق، شكوكا واتهامات بسبب حداثة العظام والملابس التي عثر عليها في القبور، خصوصاً مع تداول صور ومقاطع فيديو من موقع المقبرة قال ناشطون إنها تتضمن مقتنيات وملابس ومواد لا تعود إلى فترة الثمانينيات أو التسعينيات، ما دفع كثيرين إلى الربط بين المقبرة وملف المغيبين الذين اختفوا خلال العمليات العسكرية والحملات الأمنية التي شهدتها المحافظة بعد عام 2014، إذ اتهمت الفصائل المسلحة وقتها بخطف الآلاف من أبناء المحافظة وتغييبهم.
ويقول ناشطون إن طريقة الإعلان عن المقبرة، وربطها مباشرة بالنظام السابق قبل انتهاء التحقيقات الفنية والجنائية، أثارا مخاوف عائلات المفقودين من" إغلاق مبكر" لأي مسار قد يقود إلى كشف مصير آلاف المغيبين الذين لا تزال عائلاتهم تبحث عن أي معلومة بشأنهم منذ سنوات.
وممّا يرفع وتيرة التشكيك في بيان مؤسسة الشهداء، أن موقع المقبرة نفسه كان تابعاً لفصائل عراقية مسلحة مختلفة، خلال العامين 2015 و2016، وسط تأكيدات أهالي مفقودين أن المليشيات اقتادت أبناءها باتجاه تلك المنطقة.
ويقول الناشط في ملف حقوق الإنسان، عبد السلام اللهيبي، إن" الطريقة التي أعلنت بها عن المقبرة أثارت كثيراً من التساؤلات، لأن تحديد هوية الضحايا أو الحقبة الزمنية التي تعود إليها المقبرة يجب أن يستند إلى نتائج طب عدلي وتحقيقات مهنية، وليس إلى استنتاجات سريعة"، مؤكدا لـ" العربي الجديد"، أن" ملف المقابر الجماعية في الأنبار يرتبط بشكل مباشر بملف المغيبين، لذلك فإن أي محاولة لتوجيه الرواية قبل انتهاء التحقيقات ستفقد العائلات الثقة بالإجراءات الحكومية".
من جهته، يقول الحاج أبو ياسر المحمدي، وهو من إحدى عائلات المغيبين من أهالي الصقلاوية، إنه فقد" اثنين من أبنائه منذ العمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال الحرب على تنظيم" داعش" الإرهابي، ولم نحصل حتى اليوم على أي معلومات رسمية بشأن مصيرهما"، مؤكدا لـ" العربي الجديد"، أن" العائلات لا تريد اتهام أحد مسبقاً، لكنها تريد الحقيقة فقط".
كما يرى أن" إعلان أي مقبرة على أنها تعود للنظام السابق قبل إجراء فحوص وتحقيقات كاملة يثير خوفنا من تزييف الحقائق وضياع حقوق أبنائنا المغيبين"، مطالبا الحكومة العراقية والمنظمات الحقوقية الدولية بـ" متابعة الملف بجدية وإجراء تحاليل الحمض النووي والتواصل مع عائلات المفقودين، التي لا تزال تنتظر خبراً عن أبنائها".
ويعد ملف المغيبين في الأنبار من أكثر الملفات تعقيداً في العراق خلال السنوات الأخيرة، إذ تشير تقديرات وبيانات حقوقية إلى وجود آلاف المفقودين الذين اختفوا خلال المعارك ضد تنظيم" داعش" الإرهابي أو بعد عمليات شهدتها مناطق شمال البلاد وغربها، وسط اتهامات متبادلة بين جهات سياسية وأمنية بشأن المسؤولية عن اختفائهم.
ورغم تعهد الحكومات العراقية بحسم الملف والكشف عن مصير المغيبين، فإن أي تقدم ملموس لم يتحقق حتى الآن، فيما لا تزال العائلات تتهم السلطات بالتقصير وعدم التعامل مع القضية بوصفها ملفاً إنسانياً ووطنياً يتجاوز الحسابات السياسية.
وشهد العراق خلال سنوات الحرب على تنظيم" داعش" وما أعقبها من عمليات التحرير أعمال خطف طاولت الآلاف من أبناء عدد من المحافظات، منها الأنبار وصلاح الدين والموصل وبغداد وديالى وكركوك وشمال بابل، بدوافع سياسية وأجندات مختلفة، بينما جرى الحديث في حينها عن تورط فصائل مسلحة بعمليات الخطف والتغييب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك