تجلس شروق أبو سكران (25 عاماً) داخل خيمتها المهترئة بالقرب من مقبرة جنوب ميدان فلسطين شرقي مدينة غزة، متكئة على قطع من الكرتون صنعت منها طرفاً صناعياً بدائياً، بعدما فقدت ساقيها إثر إصابة حرب غيّرت حياتها.
تحاول الشابة التي كانت قبل الحرب تمارس حياتها بصورة طبيعية أن تتنقل داخل الخيمة الضيقة بصعوبة بالغة، بينما يراقبها طفلها الوحيد ذو الأعوام الثلاثة بعينين امتلأتا بالخوف والأسئلة.
في الحادي والثلاثين من أغسطس/ آب 2024، انقلبت حياة شروق رأساً على عقب، بعدما أُستهدف المنزل الذي كانت بداخله دون أي تحذير مسبق، ما أدى إلى استشهاد زوجها وجميع من كانوا في المنزل، فيما نجت هي وطفلها بأعجوبة من تحت الركام، غير أن نجاتها جاءت محملة بإصابات بالغة انتهت ببتر ساقيها، لتبدأ رحلة طويلة من العمليات الجراحية والمعاناة الجسدية والنفسية التي ما تزال مستمرة حتى اليوم.
ومنذ إصابتها، تعيش شروق أبو سكران ظروفاً إنسانية وصحية قاسية داخل خيمة لا تراعي احتياجاتها الخاصة، في ظل انعدام الرعاية الطبية ونقص الأدوية والغيارات الطبية، وتواجه يومياً معاناة مضاعفة بسبب انتشار الحشرات والقوارض حول مكان نزوحها، إضافة إلى عجزها عن الحركة بصورة طبيعية، ما جعل حياتها مرتبطة بالمساعدة الدائمة من الآخرين لتأمين أبسط احتياجاتها.
تقول شروق أبو سكران بصوت متعب: " في لحظة واحدة فقدت زوجي وبيتي وحياتي التي كنت أحلم فيها، وعندما أخرجوني من تحت الركام كنت أعتقد أنني سأموت من شدة الإصابة والنزيف".
وتضيف أنها خضعت لعدة عمليات جراحية متتالية داخل مستشفيات غزة، لكنها ما تزال تعاني من مضاعفات خطيرة بسبب نقص العظم والتهابات متكررة تحتاج إلى علاج متخصص غير متوفر داخل القطاع.
وتتابع شروق حديثها مع" العربي الجديد": " منذ إصابتي وأنا أعيش ألماً لا ينتهي، فلا يوجد علاج كاف ولا أدوية ولا حتى غيارات طبية بشكل منتظم، وأحياناً أبقى أياماً كاملة أتحمل الوجع لأنني لا أستطيع توفير العلاج"، مشيرة إلى أن حالتها الصحية تتراجع مع مرور الوقت، خاصة مع غياب التغذية المناسبة والرعاية الصحية اللازمة.
وأوضحت أن فقدان ساقيها جعلها عاجزة عن رعاية طفلها كما كانت تتمنى، قائلة: " أصعب شيء بالنسبة لي أن ابني يحتاجني وأنا بالكاد أستطيع التحرك داخل الخيمة، حتى الذهاب إلى دورة المياه يحتاج إلى معاناة طويلة ومساعدة من الآخرين"، مؤكدة أنها تشعر بالعجز حين ترى طفلها يحاول مساعدتها رغم صغر سنه.
وتستعيد تفاصيل الأيام الأولى بعد إصابتها قائلة: " كنت أعتقد أنني سأحصل على طرف صناعي يساعدني على الوقوف من جديد، لكن مع استمرار الحرب والحصار لم أجد أي فرصة للعلاج أو السفر"، مبينة أن الأطباء أبلغوها بضرورة السفر العاجل لاستكمال علاجها بسبب مشكلة نقص العظم التي تعاني منها، إلا أن إغلاق المعابر حرمها من ذلك.
وبعد شهور طويلة من الانتظار واليأس، قررت شروق أن تصنع بنفسها طرفاً صناعياً بدائياً من الكرتون البسيط، في محاولة للتخفيف من معاناتها اليومية، وتقول: " لم أصنعه لأنني مقتنعة بأنه بديل حقيقي، بل لأنني تعبت من الزحف والحركة بصعوبة، وأردت أن أبعث رسالة للعالم بأننا هنا نترك لنواجه مصيرنا وحدنا".
وتحول الطرف الكرتوني الذي صنعته شروق إلى صرخة احتجاج صامتة على واقع آلاف الجرحى ومبتوري الأطراف في قطاع غزة، ممن يواجهون مصيراً مجهولاً بسبب انهيار المنظومة الصحية ومنعهم من السفر للعلاج، فالكرتون الذي استخدمته لم يكن وسيلة للحركة فقط، بل محاولة للتشبث بالحياة وسط ظروف قاسية تكاد تسلب الإنسان كرامته.
وتعيش شروق أبو سكران اليوم داخل خيمتها في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الحياة الإنسانية، حيث تزيد حرارة الصيف وانتشار الحشرات والقوارض من معاناتها الصحية والنفسية، كما تجد صعوبة كبيرة في الحفاظ على نظافة الجروح والأماكن المصابة، ما يعرضها باستمرار لخطر الالتهابات والمضاعفات الصحية.
ورغم الألم الذي يرافقها يومياً، تحاول شروق التمسك بالأمل من أجل طفلها الوحيد، مؤكدة أن أكثر ما تتمناه هو السفر للعلاج والحصول على طرفين صناعيين يمكنانها من استعادة جزء من حياتها الطبيعية.
وتقول: " لا أريد شيئاً مستحيلاً، فقط أريد العلاج حتى أستطيع الوقوف مجدداً وتربية ابني بكرامة".
ولم تكتف شروق بمواجهة معاناتها اليومية داخل الخيمة، بل حرصت على المشاركة في فعاليات ووقفات نظمها جرحى ومبتورو أطراف للمطالبة بحقهم في العلاج والسفر خارج قطاع غزة.
وتختتم حديثها قائلة: " أنا واحدة من آلاف مبتوري الأطراف والجرحى في غزة، نعيش بصمت وسط الألم والحرمان، الطرف الذي صنعته من الكرتون ليس حلاً، بل رسالة تقول إننا بحاجة للحياة والعلاج، وبأن الجرحى هنا يجب ألا يتركوا وحدهم في مواجهة هذا المصير".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك