قال مسؤولون وخبراء اقتصاد إن مصر تتجه إلى إعادة صياغة نموذجها للمناطق الحرة بصورة جذرية، في ظل تزايد القناعة داخل دوائر صنع القرار بأن منظومة الإعفاءات الضريبية والجمركية التي اعتمدت عليها البلاد لعقود لم تعد كافية للحفاظ على القدرة التنافسية أو جذب استثمارات أجنبية قادرة على دعم الصادرات وتوفير العملة الصعبة.
جاءت الرسائل خلال ندوة نظمها المركز المصري للدراسات الاقتصادية اليوم الاثنين، بعنوان" حسم الجدال حول المناطق الحرة المصرية: تقييم تفصيلي للأداء والتعرف على أهم التحديات والمسارات المستقبلية"، بحضور وزيري المالية أحمد كجوك والاستثمار محمد فريد.
كشفت الدراسات التحليلية المقدمة من خبراء المركز المصري عن تباطؤ واضح في نمو استثمارات المناطق الحرة خلال السنوات الأخيرة، رغم الزيادة الاسمية في حجم الاستثمارات، وهو ما اعتبره الخبراء مؤشرا على تراجع فعالية النموذج الحالي مقارنة بالتطورات المتسارعة في الأسواق المنافسة بالمنطقة.
يأتي ذلك في وقت منحت فيه الحكومة منطقة رأس الحكمة، التي باعتها الحكومة للصندوق السيادي بأبوظبي على الساحل الشمالي بالبحر المتوسط عام 2024 مقابل 35 مليار دولار، موافقة على تحويلها إلى منطقة حرة بما يقام عليها من منشآت سياحية وتجارية وخدمات مالية ونقل وطيران.
وأوضحت مدير المركز والخبيرة الاقتصادية عبلة عبد اللطيف أن إجمالي الاستثمارات في المناطق الحرة المصرية ارتفع إلى نحو 14.
2 مليار دولار في عام 2025 من حوالي 10.
7 مليارات دولار في 2016، بمعدل نمو سنوي متواضع يقترب من 3% فقط خلال الفترة بين 2017 و2025، مشيرة إلى أن الاستثمارات الأجنبية شكلت في المتوسط نحو 18% فقط من إجمالي استثمارات المناطق الحرة خلال تلك الفترة، مقابل هيمنة الاستثمارات المحلية على الجزء الأكبر من النشاط، في إشارة إلى محدودية قدرة المناطق الحرة على جذب تدفقات أجنبية كبيرة رغم الحوافز الممنوحة.
وذكرت عبد اللطيف أن الاستثمارات المحلية والأجنبية داخل المناطق الحرة دخلت في حالة من الثبات النسبي منذ عام 2020، مع اتجاه هبوطي واضح مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما اعتبره الخبراء المشاركين في الدراسة دليلاً على أن النموذج الحالي فقد جزءاً من زخمه في ظل تصاعد المنافسة الإقليمية وتحول أولويات المستثمرين العالميين.
ولفت الخبراء إلى غياب الفصل الإحصائي بين بيانات المناطق الحرة العامة والخاصة، وهو ما اعتبروه نقطة ضعف تعيق التقييم الدقيق للأداء وتحدّ من قدرة الحكومة على قياس كفاءة كل نموذج على حدة.
وحملت المناقشات التي شارك فيها وزراء سابقون وممثلو اتحادات صناعية وتجارية، اعترافاً ضمنياً بأن مصر لم تعد قادرة على المنافسة اعتماداً فقط على الموقع الجغرافي أو انخفاض تكلفة العمالة، في وقت تتجه فيه الشركات العالمية إلى تفضيل البيئات القادرة على تقديم خدمات لوجستية متطورة، وإجراءات سريعة، وربطاً فعالاً بسلاسل الإمداد العالمية.
وأشار خبراء إلى أن التحولات العالمية في ملف المناطق الحرة باتت تركز بصورة أكبر على التكنولوجيا والاقتصاد الأخضر والتصنيع عالي القيمة والخدمات الرقمية، بدلاً من الاعتماد التقليدي على الإعفاءات الضريبية فقط.
وتضمنت المناقشات مقارنة بين مصر وعدد من الدول المنافسة في ملفات مثل سرعة إصدار الموافقات، وسهولة التخارج من الاستثمار، وكفاءة البنية التحتية، والخدمات الرقمية، والمرونة التشريعية، في مؤشر على أن دوائر صنع القرار باتت تنظر إلى ملف المناطق الحرة باعتباره قضية" كفاءة مؤسسية" أكثر من كونه مجرد ملف حوافز مالية.
دور المناطق الحرة في التشغيل والتصديربدوره قال وزير الاستثمار محمد فريد إن الهدف الأساسي من المناطق الحرة يجب أن يظل" التشغيل ثم التصدير"، مضيفا أن تقييم تلك المناطق ينبغي أن يرتبط بقدرتها على خلق الوظائف وتحفيز النشاط الاقتصادي، وليس فقط بحجم الإعفاءات الممنوحة.
وأضاف فريد أن الحكومة تحتاج إلى" قاعدة بيانات أعمق وأكثر تفصيلاً" قبل اتخاذ قرارات نهائية بشأن إعادة هيكلة المنظومة، مشيراً إلى أن المقارنات الدولية السريعة قد تكون مضللة إذا لم تراع اختلاف طبيعة الحوافز والأنظمة الاقتصادية بين الدول.
ودافع فريد عن استمرار بعض الحوافز المقدمة للمناطق الحرة، قائلا إن ما يعتبره البعض" فاقدا ضريبيا" قد يتحول فعليا إلى عوائد اقتصادية غير مباشرة عبر النشاط الصناعي والخدمي وفرص العمل التي تولدها تلك المناطق.
وبيّن الوزير أن تقييم أداء المناطق الحرة خلال السنوات الأخيرة يجب أن يأخذ في الاعتبار الظروف الاستثنائية التي مر بها الاقتصاد العالمي منذ جائحة كورونا، مروراً بأزمات سلاسل الإمداد واضطرابات أسواق الطاقة والعملات، والتي دفعت بعض الشركات إلى توجيه جزء من إنتاجها إلى السوق المحلية بصورة مؤقتة.
وأكد فريد وجود اتجاه متزايد داخل الحكومة نحو تطبيق مفهوم" الحوافز مقابل الأداء"، بحيث ترتبط الامتيازات الممنوحة للشركات داخل المناطق الحرة بمؤشرات مثل حجم الصادرات، ونسب التشغيل، والقيمة المضافة المحلية، ونقل التكنولوجيا، والتدفقات الفعلية للنقد الأجنبي.
قال وزير المالية أحمد كجوك إن أثر الاستثمار داخل المناطق الحرة لا يجب أن يُقاس فقط بحجم الإيرادات المباشرة، بل بما يخلقه من فرص عمل وتنمية اقتصادية ونشاط داعم للقطاعات الأخرى.
وأشار كجوك، في مداخلة، إلى أن الحكومة باتت بحاجة إلى تطوير أنظمة الربط والتحليل الدوري للبيانات بين الجهات المختلفة، بما يسمح بقياس أكثر دقة للأثر الحقيقي للاستثمارات، سواء على الخزانة العامة أو على الاقتصاد الكلي والبنك المركزي.
وأضاف أن وجود بيانات أكثر تفصيلا أصبح ضروريا لتقييم كفاءة المناطق الحرة، خاصة في ما يتعلق بحجم التدفقات الدولارية، وطبيعة الأنشطة، وتأثيرها على الاقتصاد المحلي، موضحاً أن الحكومة تعمل على تعزيز آليات المتابعة والرقابة المؤسسية بصورة مستمرة.
وشدد وزير المالية على أهمية سرعة الإجراءات ووضوح القواعد التنظيمية، قائلا إن الاستثمار" الأسرع والأوضح" هو الأكثر قدرة على جذب المستثمرين، في إشارة إلى الحاجة لتقليص التعقيدات الإدارية وتحسين التنسيق بين الجهات الحكومية.
وأشار كجوك إلى أن الحكومة أجرت خلال السنوات الماضية مراجعات ودراسات موسعة تتعلق بالمخاطر الاقتصادية والقطاعية، وأن نتائج تلك الدراسات أظهرت أن التحديات المرتبطة بالاستثمار والمناطق الحرة" أكبر وأشمل" مما كان يُعتقد سابقاً، ما يستدعي تحديثاً مستمراً للسياسات وأدوات التقييم.
وتضم مصر حالياً 9 مناطق حرة عامة تابعة لوزراة الاستثمار و 218 منشأة حرة خاصة يديرها القطاع الخاص بالتنسيق مع هيئة الاستثمار ومصلحة الجمارك المصرية، تساهم في نحو 12% من حصيلة الصادرات للخارج في المتوسط على مدار العقد الماضي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك