تشهد الساحة الثقافية والسينمائية الفرنسية تصعيداً حاداً تزامناً مع فعاليات مهرجان كان السينمائي، إثر إعلان المدير التنفيذي لشبكة كانال بلوس (Canal+) ماكسيم سادا عن قرار المجموعة وقف التعامل نهائياً مع مئات السينمائيين والممثلين الذين وقعوا على عريضة احتجاجية ضد النفوذ السياسي المتزايد للملياردير المحافظ فينسنت بولوريه، مالك المجموعة.
واعتبر سادا العريضة" ظلماً مجحفاً" بحق فرق عمل الشبكة الملتزمة بالدفاع عن استقلاليتها وتنوع خياراتها، معلناً صراحةً رفضه القاطع للعمل مستقبلاً مع أي شخص وضع توقيعه على تلك الوثيقة الاحتجاجية.
وكان أكثر من 600 شخصية بارزة في قطاع السينما، من بينهم النجمة جولييت بينوش والمخرج ريموند ديباردون والسينمائية الفرنسية-الإيرانية سبيديه فارسي والمخرج آرثر هراري المشارك في كتابة الفيلم الحائز على أوسكار" تشريح سقطة"، قد أطلقوا رسالة مفتوحة حذروا فيها من عواقب ترك السينما الفرنسية في أيدي مالك ينتمي إلى اليمين المتطرف.
أعرب الموقعون عن مخاوفهم العميقة من أن يؤدي هذا النفوذ المالي والسياسي إلى نمطية الأفلام، وإلى ما وصفوه بـ" استيلاء فاشي على الخيال الجماعي".
جاء هذا الغضب مدفوعاً باستحواذ" كانال بلوس" على حصة في شبكة يو جي سي (UGC)، وهي ثالث أكبر دور سينما في فرنسا، تمهيداً إلى امتلاكها بالكامل بحلول عام 2028، ما يمنح بولوريه نفوذاً مطلقاً للتحكم في كامل سلسلة إنتاج وصناعة الفيلم من التمويل حتى التوزيع والعرض على الشاشات.
في الرسالة، قال العاملون في قطاع السينما إن كثيرين منهم باتوا يعتمدون، بدرجات متفاوتة، على أموال بولوريه لتمويل مشاريعهم أو حتى رواتبهم، لكنهم رأوا ضرورة" كسر الصمت الذي يُفرض تدريجياً على القطاع".
واتهموه بقيادة" مشروع رجعي يميني متطرف" عبر قنواته التلفزيونية ودور النشر التابعة له.
وأضاف الموقعون أن تأثير هذا" الهجوم الأيديولوجي" على المحتوى السينمائي لا يزال محدوداً حتى الآن، لكنهم حذروا من أن ذلك" لن يدوم".
وحذّروا من صعود حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف الذي دعا إلى تفكيك مؤسسات أساسية في قطاع السينما الفرنسي، بينها المركز الوطني للسينما.
تأتي هذه التحذيرات لتسلط الضوء على تساؤل جوهري: " هل نريد المخاطرة بمستقبل لا تُموَّل فيه سوى أفلام دعائية تخدم أيديولوجيا معينة؟ ".
وتكتسب خطورة التلويح بـ" القوائم السوداء" بعداً أعمق بالنظر إلى الثقل الاقتصادي لشركة استوديو كانال التابعة للمجموعة، وهي كبرى قوى الإنتاج والتوزيع السينمائي في أوروبا؛ فالشركة التي تقف وراء أعمال عالمية مثل فيلم السيرة الذاتية" العودة إلى السواد" (Back to Black) و" بادينغتون في بيرو" (Paddington in Peru)، تملك تأثيراً يتجاوز الحدود الفرنسية، ما يمنح المقاطعة وزناً عقابياً يهدد بمحاصرة المبدعين في السوق الأوروبية، ويحول الأزمة إلى معركة وجودية تمس بنية الإنتاج المشترك وحرية التداول الثقافي.
تأتي هذه الأزمة لتكرر سيناريو مشابهاً شهده قطاع النشر الفرنسي؛ ففي الشهر الماضي، انسحب أكثر من 100 كاتب من دار غراسيه (Grasset) احتجاجاً على سيطرة بولوريه على الشركة الأم" هاشيت".
ورغم أن بولوريه ينفي أي تدخل أيديولوجي مؤكداً أن دوافعه مالية لدعم القوة الناعمة، واصفاً المنسحبين بـ" طبقة صغيرة تظن نفسها فوق الجميع"، ومصنفاً فكره بـ" الديمقراطية المسيحية"، إلا أن صناع السينما يتخوفون من تمدد أجندته المحافظة التي تبثها منصاته، كقناة سي نيوز وصحيفة لو جورنال دو ديمانش وإذاعة أوروبا 1.
يرى النقاد في هذا التمدد استراتيجية لفرض" التكامل الرأسي"، إذ تتيح السيطرة على مفاصل التمويل والإنتاج ثم دور العرض (عبر صفقة يو جي سي المرتقبة) إغلاق الدائرة تماماً أمام الأصوات المغايرة، مهددةً التعددية الفكرية والجمالية.
وقد انعكس هذا الاحتقان في أروقة مهرجان كان، إذ واجه شعار" كانال بلوس" صيحات استهجان في بعض العروض، ومنها الفيلم الافتتاحي" القبلة الكهربائية" (The Electric Kiss).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك