عمّقت قرارات أخيرة حالة عدم الرضا والاستياء لدى شرائح واسعة من السوريين من الأداء الحكومي، ولا سيما في ما يتعلق بالجوانب الاقتصادية والمعيشية، ما يفتح باب التساؤلات حول معايير الحكومة في اتخاذ القرارات التي غالباً ما تأتي مخيّبة للآمال، وهو ما يشير إلى أنها ربما تصدر من دون إحاطة كاملة بالظروف التي تمر بها البلاد في مرحلة ما بعد النزاع.
وفجّر قرار وزارة الاقتصاد والصناعة، السبت، تحديد سعر شراء القمح القاسي" مشوّل" (معبأ بأكياس) بـ46 ألف ليرة سورية جديدة (نحو 330 دولاراً)، غضباً شعبياً في المحافظات الشرقية التي تنتج القسم الأكبر من إنتاج سورية من هذه المادة الاستراتيجية.
وخرج مئات الفلاحين المتضررين من السعر الجديد في مظاهرات بمدينة الرقة، الأحد، احتجاجاً على القرار الذي شكّل، بحسب قولهم لوسائل إعلام محلية، صدمة كبيرة، لأنه لا يغطي تكاليف الإنتاج ولا يترك هامش ربح بسيطاً.
واعتبروا القرار مجحفاً ولم يضع في الاعتبار مصلحة الفلاح، ومن ثم مصلحة الزراعة التي تُعدّ العصب الأهم في الاقتصاد، كما يؤكد، بحسب رأيهم، عدم الإحاطة الكاملة بالظروف التي مرّ بها الشمال الشرقي من البلاد خلال سنوات الحرب.
وجاء هذا القرار بعد أيام قليلة من رفع الحكومة أسعار المشتقات النفطية في السوق المحلية، إذ جرى رفع سعر لتر بنزين أوكتان 95 إلى 1.
15 دولار، مقارنة مع 1.
05 دولار سابقاً.
كما زاد سعر بنزين أوكتان 90 إلى 1.
10 دولار، بعد أن كان عند 0.
85 دولار منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.
كذلك رفعت الشركة سعر المازوت إلى 0.
88 دولار للتر، مقارنة مع 0.
75 دولار في التسعيرة السابقة.
وارتفع أيضاً سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 12.
50 دولاراً بدلاً من 10.
50 دولارات، فيما بلغ سعر أسطوانة الغاز الصناعي 20 دولاراً مقارنة مع 16.
8 دولاراً سابقاً.
وأدى رفع أسعار المحروقات إلى خلق موجة غلاء طاولت أغلب السلع الغذائية في الأسواق بسبب ارتفاع التكاليف، ما انعكس سلباً على الحياة المعيشية، إذ إن دخل العاملين والموظفين في الدولة لا يكاد يغطي الاحتياجات الأساسية.
ولم تتبدل المعطيات المتعلقة بدخل السوريين كثيراً بعد نحو عام ونصف العام من إسقاط نظام الأسد، إذ لا تزال نسبة السوريين الذين يعيشون في فقر مرتفعة.
وكان برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد أكد مطلع العام الفائت أن تسعة من كل عشرة أشخاص في سورية يعيشون في فقر، وأن واحداً من كل أربعة عاطل من العمل.
وتكاد تغيب الشفافية عن السياسات الاقتصادية التي تتبعها الحكومة، وعن المعايير التي تعتمد عليها في رسم هذه السياسات، ولا سيما تلك المتعلقة بأسعار المواد التي تلامس بشكل مباشر الجوانب المعيشية للمواطنين.
وتعليقاً على القرارات الأخيرة للحكومة، التي ولّدت ردات فعل مجتمعية غاضبة، رأى زيدون الزعبي، وهو خبير في إدارة نظم المعلومات ومجالات الحوكمة، في حديث مع" العربي الجديد"، أن" الفجوة تتسع بين المواطن والحكومة"، مشيراً إلى أن الأخيرة قدّمت خلال عام من تشكيلها" وعوداً شبه مستحيلة، ربما رغبةً منها في طمأنة المجتمع، إلا أن الناس سرعان ما اكتشفوا أنها كانت وعوداً في الهواء".
وأضاف: " السوريون يدركون الظروف التي تمر بها بلادهم حالياً، ولا يطلبون من الحكومة المعجزات في ظل محدودية الموارد، لكنهم يريدون الشفافية والتواصل الحكومي الدائم معهم لشرح السياسات، ولا سيما الاقتصادية منها، التي تقوم بها لمواجهة تحديات المرحلة الانتقالية".
وبرأيه، فإن" رفع سقف توقعات الناس وآمالهم هو أخطر تهديد للدول"، مضيفاً أن" فقدان الثقة بين المواطن والحكومة هو أقصر طريق للانهيار".
وأشار إلى أن" أي إصلاح اقتصادي يبدأ بخطة واضحة بعيدة الأمد"، مضيفاً أن القرارات التي تصدر عن الحكومة" تشي بأنها تدير البلاد بشكل غير مدروس من مختلف الجوانب".
في المقابل، رأى الباحث مؤيد غزلان، في حديث مع" العربي الجديد"، أن الحكومة" لا تتحمّل كامل المسؤولية في ما يتعلق برفع مستوى دخل المواطن"، مضيفاً أن القطاع الخاص يشغّل ما بين 70% إلى 75% من القوى العاملة في البلاد، وبالتالي" عليه القيام بمهامه من أجل تحسين القدرة الشرائية للموظفين لديه".
وتابع: " تشير بيانات ما قبل الحرب إلى أن القطاع الحكومي كان يؤمن 1.
4 مليون فرصة عمل، في حين كان القطاع الخاص يؤمن خمسة ملايين فرصة، وبالتالي فإن المسؤولية الأكبر تقع على القطاع الخاص وليس على الدولة لجهة رفع مستوى دخل المواطنين".
وقال إن سورية" لا تزال في بداية مرحلة المأسسة البنيوية والاقتصادية، وحفظ الأمن القومي"، مضيفاً: " في علم السياسة والمجتمع، فإن الأمن يُستمد من القوة، والقوة تعني هنا حفظ وجودية الدولة، أي تعزيز الأمن داخل الحدود وعلى الحدود، وتعزيز القوة الدفاعية للدولة".
وأضاف: " الأولويات في مراحل تأسيس الدول هي الأمن والدفاع، وهذا أكبر مورد يستنزف دخل الدول في مراحل إعادة الترميم وتنشئة البنية التحتية والإدارية والأمنية.
فالإنفاق الدفاعي والأمني يُعدّ مفصلياً في هذه المرحلة، لأن الدولة تعيد تأسيس منظومة دفاعية وأمنية كاملة، وهذا يحتاج إلى ميزانيات ضخمة".
وبرأيه، فإن" محاولات ضرب أمن البلاد لم تتوقف من جانب منظمات تتبع لدول تعادي مشروع سورية الجديدة"، مشيراً إلى أن" الإنفاق الحكومي على ترميم البنية التحتية اللازمة لتأمين عودة وتمكين ملايين السوريين من قاطني المخيمات إلى قراهم يتطلب إنفاقاً هائلاً"، مضيفاً أن هذه القضية" أولوية وطنية ملحّة".
واستدرك غزلان قائلاً إن ذلك" لا يمنع من ضرورة اعتبار هموم المواطن، الذي يتطلع إلى سد حاجاته اليومية وتحسين قدرته الشرائية ورفع مستوى دخله، أولوية لدى الحكومة".
وأشار إلى أن ذلك" يُبرز أهمية إعلان بعض الوزارات عن خططها للرأي العام لخلق إطار تفاهم بين المواطن والدولة"، لافتاً إلى أن الحكومة" فسّرت أسباب القرارات، إذ قالت وزارة الطاقة إن رفع الأسعار جاء تماشياً مع ارتفاع مماثل شهدته أغلب دول العالم".
وأضاف أن المحروقات" تستنزف الموارد الداخلية لسورية، التي ما تزال دولة مستوردة للطاقة بالدرجة الأولى"، موضحاً أن العودة إلى الإنتاج الذي يكفل الوفرة والتصدير" يتطلب سنوات، فالحقول البترولية التي استلمتها الدولة كانت في حالة مزرية وتحتاج إلى تأهيل وإصلاح".
وأشار إلى أن" سورية لا تُعدّ من الدول المهمة في تصدير النفط"، موضحاً أنه" في عام 2010 كانت سورية تصدّر نحو 110 آلاف برميل يومياً تقريباً، فيما كان باقي الإنتاج يُستهلك داخلياً، في حين كانت تستورد 105 آلاف برميل يومياً من النفط المكرر والمصفّى للاستهلاك الداخلي، ما يعني أن الفارق لا يضع سورية ضمن الدول البترولية عالمياً".
وتابع: " حالياً لا يمكن تعليق آمال نهائية على الاقتصاد النفطي حتى تصل البلاد إلى الإنتاج الكامل، ويتم قياس فارق التصدير والاستيراد ومدى فائدته الربحية المباشرة للخزينة العامة".
وحبّذ غزلان إجراء دراسات" استباقية لردود الفعل المجتمعية في المحافظات المعنية قبل إصدار قرارات تؤثر على القدرة الشرائية للمواطن، أو تطبيقها بشكل تدريجي، أو تقديم إيضاحات مسبقة للشرائح المجتمعية المتأثرة بالقرارات الاقتصادية".
وأشار إلى أن" هناك جدلية واضحة بين ما تتطلبه أولويات بقاء الدولة، والتي لا يمكن التخلي عنها، وبين حاجات المواطن"، مضيفاً أن ذلك" يحتاج إلى إطلاق تواصل وزاري مستمر مع الرأي العام والمواطن، وإلى دراسات استباقية تخلق جسور تفاهم مستمرة بين المواطن والسياسات الوزارية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك