أكاد أشم رائحة اقتتال إعلامي تتزايد بسبب القضية التي تشغل الرأي العام حالياً، حيث أحدثت القضية انقساماً إلى فريقين، كل منهما تفنن في لىِّ الحقيقة لخدمة وجهة نظره، لاستمالة المزيد من المؤيدين.
القضية تتعلق بصدور حكم بحبس فتاتين ما زالتا في التعليم الجامعي والثانوي، بتهمة التزوير في مستند قدمتاه للمحكمة للحصول على زيادة في النفقة من والدهما الذى خلعته أمهما من عدة سنوات.
التقط الخيط أنصار الرجل وأنصار المرأة المتناحرين لتحقيق الانتصار في معركة ما بعد الطلاق أو الخلع التي تنشب إذا كان هناك أبناء -الذين يدفعون ثمن المعركة- وقد تعمدت هنا أن أستخدم لفظ الرجل والمرأة ولا أستخدم لفظ الأب والأم، لأنه لو امتلك كل منهما مشاعر وأحاسيس وأخلاق الأبوة والأمومة، ما نشب أى خلاف، ولتنازل كل طرف عن حقوقه من أجل عيون ومصلحة الأبناء، تماماً كما فعلت الأم التي اختطفت امرأة رضيعها، وعندما مثلتا أمام القاضي كل واحدة قالت إن الرضيع ابنها، فقال القاضي: إذن فلنقسم الرضيع لنصفين وكل واحدة تأخذ نصفاً، فرفضت الأم وقالت: أعطوه للأخرى حماية لرضيعها، فتيقن القاضي أنها الأم الحقيقية!ولنعُد إلى القضية، فلقد تبنى أنصار الرجل وجهة نظر الأم واتهمنوها بأنها من حرضت البنتين على رفع القضية ضد والدهما، وهي التي دفعتهما للسعى للحصول على المستند المزوَّر، وتعاملت مع الموقف كمن يحتمي بالرهائن البشرية ليتفادى ويحمى نفسه من أى هجمات من الطرف الآخر، وإذا حقق الطرف الآخر انتصاراً فسيكون على حساب الرهائن وهذا ما حدث بالفعل، وتم حبس البنتين، ولاذت الأم بالفرار ولم تحضر الجلسة متعمدة لكى لا يتم حبسها معهما، ودفعت الأم بالبنتين لتصبحا في «وش المدفع»، وأنها اتفقت مع محاميها على ذلك لتوريط البنتين، وأنها جعلتهما تقدمان الوثيقة المزوَّرة، وتقران بأنهما من قام باستخراجها، وليس المحامي الذى من واجبه الأساسي، وفقاً للتوكيل الذى منحته له البنتان، أن يسعى لجلب كل أوراق ووثائق ومستندات القضية لتأييد دفوعه، ولذلك لم توجه النيابة للمحامي تهمة تقديم مستند مزوَّر، وابتلعت البنتان ومعهما الرأي العام الطُعم!أما أنصار المرأة فما كان منهم إلا أن صوَّروا الأب على أنه شيطان رجيم، وأنه هو الذى نصب فخاً لبناته، حيث كان وراء تسليمهما مستنداً مزوَّراً بمفردات راتبه عن طريق الشئون القانونية من الشركة التي يعمل بها رئيساً للشئون القانونية، وأنه هو الذى أبلغ النيابة، عن طريق محاميه، بأن بناته مزورات ليكسب القضية ولا يزيد من نفقة أولاده.
وهكذا بدأ الاقتتال بين الفريقين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ليس لصالح البنتين الضحيتين ولكن من أجل أن ينتصر كل فريق على الآخر، و«طظ» في البنتين.
وطبعاً التهويل من هذه القضية في هذا التوقيت يهدف في الأساس إلى التأثير على المشرع أثناء صياغة قانون الأحوال الشخصية الذى من المفروض أن يُصلح ما أفسده القانون الحالي في إهدار حقوق الأبناء، حيث كان ينحاز دائماً إما للرجل أو المرأة، على حسب من يعلو صوته أكثر، ومن له نفوذ وتأثير أكثر.
وظني أنه هنا يجب أن يظهر الإعلام المنضبط المتوازن، الذى يؤدى دوره المهني بكل شفافية وتجرُّد وصدق والذى لا ينحاز لطرف، ويسعى لنشر الوعي وتصحيح المفاهيم وتوضيح الصورة الحقيقية من أجل المصلحة العامة، وصلاح المجتمع ومنع هذا الاقتتال الذى «تسترزق» منه منصات وأفراد على السوشيال ميديا دون رقيب أو ضمير.
ولعل الاجتماعات التي يُجريها وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان خطوة على طريق تصحيح المسار الإعلامي، حيث التقى بكل أطراف الإعلام في مصر للتنسيق فيما بينها لضبط الرسالة الإعلامية.
مواجهة هؤلاء المنتفعين المنتشرين على المنصات الإعلامية غير الرسمية، لن يؤتى ثماره إلا من خلال نشر الحقائق مجردة، والتركيز على توضيح القضايا كاملة دون إغفال أى تفاصيل، والوثوق في وعي الرأي العام وقدرته على الفرز الصحيح بين المعلومات المغلوطة والناقصة والكاذبة، وبين ما هو فاسد ويسعى لخدمة مصالح شخصية غرضها هدم المجتمع، وبين ما هو صالح ويخدم الوطن، وهذا ينصرف على كل القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك