لا تهتم ماري ندياي بأزمة الهوية بالمعنى المتعارف عليه في دراسات التابع، ولكنها تحاول أن تنبش في الأحفورة العميقة لمشكلة الجغرافيا مع العرق، وتمنحها تفسيرا حضاريا، وتربط أزمة شخصياتها – النسائية على وجه العموم بقضيتين سبقها إليهما غراهام غرين.
وهما الديكتاتورية التي يرعاها النظام العسكري.
ولكن إذا رمز غرين لفساد وانحلال هذا النظام بمرض مزمن لا يمكن الشفاء منه كالجذام، تحاول ندياي التعبير عنه بمنظومة الفقر والجوع والغربة – أو من خلال بدائل طبيعية وعامة كالطقس والوضع الوجودي وغير ذلك (انظر روايتها «طقس سيئ» – مترجمة إلى الإنكليزية بعنوان «تلك الفترة من السنة»).
ويترتب على ذلك التفكير بالخلاص عن طريق الهروب.
ولا تخلو رواية لندياي من شؤون الهجرة والاغتراب ومصاعب التأقلم في الجو الجديد.
لكن المشكلة أن شخصياتها تهرب من الجغرافيا وليس من التاريخ.
بمعنى أنها تحمل معها هويتها القديمة، وتحرص عليها كما لو أنها قدر لا يمكن استبداله، هذا إن لم تسقط على الطريق وتدفن مشروعها المهجري، قبل تجاوز الحدود.
ويبدو لي هذا التكنيك وكأنه حلقات في السلسلة نفسها.
فالموت طريقة للهروب من واقع لا يمكننا التفاهم معه.
وبالنظر لتفكير الشعوب الافريقية بأن عالم الأرواح هو الحقيقة التي تفضح وتكشف نقصان وزيف عالم الصور (كما ورد في مجمل أعمال غينوا إتشيبي – وأخص بالذكر «الأشياء تتداعى» و»سهم الله»).
تختار ندياي هذا الطريق في روايتها الفائزة بالغونكور، وهي «ثلاث نساء قديرات».
ومع أن واحدة منهن فقط تلقى حتفها قبل تحقيق مشروعها – ولا تصل إلى باريس مدينة النور، فهي أيضا تساوي بين التحرر من أعباء الحياة الوضيعة، والتحرر من الواقع الفاسد.
ويصبح الموت طريقة من طرق التعالي على انحطاط الحضارة.
والفاجع في جميع الثقافات وسيلة غسل الذنوب، فالبكاء والعويل إبدال طبيعي للمطر والعواصف، والاثنان لهما وظيفة فوق طبيعية تربطهما بدورة الفصول الأربعة.
ولا تبتعد ندياي في هذا الأسلوب عن قانون الأدب الثانوي – أو أدب الأقليات (والذي توقف عنده الثنائي الفرنسي دولوز وغوتاري).
فهي فرنسية من أصل افريقي، وتدمج في رؤيتها تحفظ العقل الطبيعي على الروح، مع قلق وتشاؤم اللامتناهي من قوانين الطبيعة.
وبالنتيجة نجد أنفسنا أمام عالم رمادي يحترق ببطء، ومن دون سبب مفهوم.
وهكذا يتوزع سلوك شخصياتها بين القطيعة مع الذات وعدم الاندماج بالآخر.
وبالنتيجة يجد التابع نفسه أمام مشاريع ناقصة، حالة الأب الذي يتحول إلى حلزون، وحالة توأم البنات، وكلتاهما تتحول إلى غراب اسود – انظر رواية «الساحرة»).
ومع أن التحول عبارة عن تراجع أو هبوط في سلم التطور من عاقل إلى غير عاقل، ومن نفس مفكرة إلى نفس غادية، فهو أيضا ضمانة للتهرب من المسؤولية – وبمنطق دولوز وغوتاري، هذا المسخ يدل على انحطاط في الحالة الاجتماعية، وفي الوقت نفسه على هروب من القانون الوضعي، لأنه لا يمكننا فرض تشريعات الدستور المدني على عالم الحيوان.
ولا يخفى على أحد السخرية الكامنة في هذا الحل.
فالتابع يهرب من مشكلة الحضارة في الجنوب ليعيش على هوامشها في الشمال.
ويبقى المستقبل رهنا بالمعجزات، أو الأعمال الخارقة والسحر.
إلا أن شخصيات ندياي لا ترقى للنبوة ولا القداسة.
وتبدو وكأنها شخصيات منزوعة الدسم ومبسترة، لديها الإمكانيات، لكن ليس بيدها إنفاذ القانون، لذلك تفرض على لوسي الساحرة الموهوبة أن تبقى تابعة لإليزابيث المشعوذة، ثم لنظام السوق الجائر – وترمز له بشرطة البلدية.
وتذهب ندياي لأبعد من ذلك وتصور المؤسسة التعليمية، وكأنها سوق يتاجر بالمعرفة، وحراس القانون وكأنهم أدوات بيد هذا السوق.
ويمكن أن نبني على ذلك عدة نتائج.
الأولى خصاء الأب وتحوله إلى حلزون يضعه في أسفل سلم التطور، ويصبح عرضة لاستهجان وازدراء مجتمع من دون رأس ولا رموز، وبالتالي من دون عقائد وعمق حضاري.
ويعود وجود الحلزون لمرحلة متأخرة جدا من تاريخ الطبيعة، وبالتحديد لما قبل 580 مليون سنة.
ويمكن مقارنته مع ظهور الحشرات غير المتطورة ومنها، الصرصار الذي ظهر قبل حوالي 320 مليون سنة (وهو أمثولة تراجيدية تكلم عنها كافكا في روايته «المسخ»، ونعى بها جيل منعطف القرن العشرين)، وقدم من خلالها نبوءة بأزمة جيل الخمسينيات والستينيات في أوروبا – العصاب السياسي في الشرق وهذيان الغرائز والمخدرات والتشرد في الغرب، الذي كانت نتيجة لهيجان الفاشية والنازية.
الثانية النساء القضيبيات.
والمرأة المسترجلة من أهم نتائج الثورات البورجوازية التي حولت المرأة من مجرد فرج إلى أيقونة تقود الإنتاج – والإكثار في هذا السياق بيولوجي ومادي.
وأضيف ترقية البنتين مود وليزي إلى طيور مجنحة، وهو تحويل ينقذ البنات من التمرغ في وحل الحياة الواقعية الفقيرة.
ولا يمكنني ألا أنتبه إلى تزويد البنات بأجنحة – وحرمان الأب من قدرته على الوقوف والانتصاب.
وهذه أقسى عقوبة تفرضها امرأة على رجل، فهي لا تجرده من سيف ذكورته فقط، ولكن تكتب عليه أن يزحف فوق الأرض مثل أي حشرة وضيعة.
عدا أن الأب كان ضحية للسحر الأسود، وهو فعل خارق ومتعمد (وهذه أضعف نقطة في الرواية.
وتعارض بها ماري ندياي تاريخ فن السرد الطبيعي وفوق الطبيعي، وتقترب بها من عجائب ولدونة نثر العصر الوسيط، بكل ما فيه من مناطق معتمة وأبواب ممنوعة تذكرنا بألغاز ولادة السيد المسيح ونشأته ثم اصطفائه).
مقابل الإحاطة الرمزية لتحول البنتين، وهما على متن القطار.
وهذا رمز أساسي للثورة الصناعية – ولحركة التاريخ، ويمكن مقارنته دائما برموز تدعو للتفاؤل، وتكون حبلى بشتى الاحتمالات كالنهر والطائرة والسيارة وغير ذلك.
وكل روايات صراع الحضارات – وضمنا صراع الأجيال والمراحل تبدأ بمشهد في قطار أو طائرة – انظر «بوابة بابل الزرقاء» لبول بيكرنغ على سبيل المثال.
ولكن يبقى في الذهن سؤال أخير.
لماذا اختارت للبنتين رمز الغراب الأسود وليس الحمامة البيضاء؟ من دون أي شك هناك عدة تداعيات في الوعي الباطن، بعضها له علاقة بالمشكلة العرقية.
فندياي من أب سنغالي انفصل عن أمها الفرنسية ليعود إلى السنغال ويبحث هناك عن هويته الضائعة.
ولكن الأهم أنها ورثت عنه لونه الداكن أو الوصمة – لعنة التاريخ الطبقي للشعوب، التي قال عنها بيار لوباب: إنها استعارة جميلة عن الاندماج وصراع الثقافات الغربية وعذابات النبذ ومشقات التواصل بين كل الأطراف.
ليقول بعد ذلك: إنها استعارة ملتبسة عن موقع متأرجح لا يساعدنا على فهم الأسس المكتومة لنظام الجماعات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك