أنعشت اجتماعات بنغازي التي انعقدت في الأسبوع الأول من مايو لتوحيد المؤسسات العسكرية الليبية الأمل في إمكانية حدوث هذا الأمر.
لكن تجدد السؤال مرة أخرى: هل الخارج يريد أن يوحد الداخل بعد أن قرر أن يقسمه وفعل ذلك لفترة؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فما هي الضمانات إذًا؟الكل يجمع على أن ليبيا لن يصلحها إلا الليبيون، أو بالأحرى إلا إذا قرروا قبول بعضهم البعض مهما كانت النقائص، وكما يقول المثل: «يدك منك لو كانت عوجة».
الحوار كان ناجحًا، والمناورات المشتركة مع أميركا كانت ناجحة، لكن دور الخارج لا يزال كبيرا، وهذه هي النقطة التي تقودنا إلى سؤال آخر: هل ما يحدث في المنطقة من كوارث بسبب التدخل الأجنبي، أم أن أس البلاء هو القابلية للتدخل، على وزن «القابلية للاستعمار»، وهو المفهوم الكبير الذي رسخه فينا وفي تفكيرنا المفكر الجزائري مالك بن نبي، رحمة الله عليه.
الحوار -لحسن الحظ- شأن ليبي مستمر، وهذه المحطة ضمن مسار «الحوار المهيكل» الذي تقوده بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، ولذلك يبدو أن المشهد الليبي يتجه نحو مرحلة تكاد تنعدم فيها الخطورة على مستوى الحرب الشاملة بين شرق البلاد وغربها، على الرغم من استمرار التحديات الأمنية والسياسية داخل كل جانب على حدة.
باختصار، الطرف الخارجي الذي تدخل لتعطيل الوحدة وفرض الانقسام قد يشجع الآن الوحدة، لكنه بالتأكيد لديه أجندة أخرى، وهي رعايته للانقسام داخل كل معسكر على حدة بدلًا من رعاية الانقسام بينهما.
فالمسار هو مسار برلين وليس زليتن ولا الجغبوب.
الحوار الأممي لم يكن متوقعًا منه أن يصنع تحولًا جذريًا، لكنه استفاد من ظرف إقليمي ودولي مهم يتمثل في وجود رغبة واضحة لدى القوى الدولية والإقليمية في منع عودة الحرب بين شرق وغرب ليبيا.
الأطراف الخارجية باتت تدرك أن أي مواجهة واسعة جديدة على الضفة الجنوبية للمتوسط ستؤثر مباشرة على ملفات الهجرة والطاقة والاستقرار الإقليمي، ولذلك أصبح هناك توجه نحو تقريب الطرفين أمنيًا حتى دون الوصول إلى توحيد سياسي كامل.
استضافة بنغازي للاجتماعات كانت مفيدة للطرفين، فقد منحت الشرق مكسبًا سياسيًا ورسخت صورة أن الشرق ينعم بالاستقرار ويمتلك مؤسسة عسكرية أكثر تماسكًا بقيادة المشير خليفة حفتر، لكن التحدي الحقيقي في الشرق لم يعد يتعلق بالحرب مع الغرب، بل بمسألة إدارة الانتقال داخل كل معسكر على حدة، فالتنافس لا يعني بالضرورة الانفجار، لكنه ظاهرة إنسانية طبيعية تجب إدارتها، ومنع الطرف الثالث من التدخل لصناعة أزمة بناء على ثغرة في التنافس الداخلي الطبيعي.
في المقابل، تواجه الحكومة الليبية في طرابلس تحديًا مختلفًا في الغرب الليبي يتمثل في إنهاء نفوذ المجموعات المسلحة وتعزيز سلطة الدولة.
التحركات التي قادها رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في الزاوية ومناطق أخرى أظهرت رغبة حقيقية في مواجهة شبكات التهريب والجريمة المنظمة التي استفادت من الفوضى منذ 2011.
وعلى الرغم من صعوبة هذه المهمة، فإنها تمثل خطوة ضرورية نحو بناء مؤسسات أمنية أكثر استقرارًا.
والأخبار التي تأتي حول الاضطرابات في الغرب الليبي يمكن أن تُقرأ من جانبين: الأول، وهو الأفضل، أن الحكومة الليبية ورثت تركة مثقلة من الميليشيات والعصابات لكنها جادة في تفكيكها، والحكومة ليست ضد الاستقرار ولكنها ضد التعايش مع هذا الوضع الشاذ.
والجانب الثاني هو ما يشغل الدوائر التي تريد بث الإحباط عن ليبيا، وهو أن الحرب لم ولن تتوقف.
النقطة التي ذكرتها عن القابلية للتدخل تفرض علينا البناء على التفاؤل الذي حدث في بنغازي، لا التوقف عنده، ولا التقليل منه.
نعم، صحيح أن البعد الخارجي كان واضحًا في توحيد الليبيين، لكنه قد ينعش إرادتهم الحقيقية، لا سيما وأن الإرادة الدولية حاليا مشتتة وكل يفكر في نفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك