يعكس هروب الباكستانيات من المنازل، الذي يشهد ارتفاعاً ملحوظاً ومقلقاً، عمق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي تواجهها نساء في بلد غارق في الديون والمشاكل.
يُبرز هروب الباكستانيات من المنازل روايات الألم والعنف واليأس، ويكشف عن واقع معقد تتداخل فيه عوامل الفقر والعادات الصارمة.
لكن غياب الجهات التي تدعم النساء يجعل المرأة الهاربة تنتقل من السيئ إلى الأسوأ.
وتؤكد قصص الهروب المتزايدة توسع الظاهرة، حتى أصبحت خياراً لنساء كثيرات يعشن في أوضاع قاسية أو يواجهن العنف الأسري، وأخريات يعانين من حياة زوجية مضطربة بسبب إدمان الأزواج على المخدرات.
وفي المجتمع الباكستاني المحافظ، لا تستطيع الشابة أن تبدي رأيها عادة في اختيار شريك حياتها، خصوصاً في مناطق شمال غربي البلاد، في حين يدفع انتشار الفقر والبطالة الآباء إلى تزويج بناتهم في سن مبكرة، أو لرجال كبار في السن من دون موافقتهن.
تقول المحامية عمبرين علي لـ" العربي الجديد": " تتعدد الأسباب التي تقف وراء هروب الباكستانيات، فثمة دوافع اجتماعية ونفسية واقتصادية، كما تهرب المرأة من المنزل أحياناً إذا كان الزوج غير قادر على توفير الاحتياجات، وربما يكون الزوج مدمن، فترى المرأة في الهروب الطريق الوحيد للخلاص".
وتضيف: " أحياناً تؤدي الأعراف السائدة وأساليب تعامل أولياء الأمور إلى هروب المرأة أو الفتاة، ونرى في كثير من الأحيان قضايا هروب فتيات قبل الزواج، لأن الأب يريد تزويجها من رجل لا تريده.
على سبيل المثال، أراد أب أن يزوّج ابنته البالغة 22 سنة لرجل عمره 55 سنة كان متزوجاً سابقاً، ولديه تسعة أولاد وعدد من الأحفاد، فهربت من المنزل.
هناك أيضاً دوافع نفسية لهروب المرأة من منزلها، قد لا تكون مقنعة بالضرورة، فقد هربت إحداهن لأن وضعها النفسي سيء، وأخرى لأن أسرة زوجها تستقبل ضيوفاً كثيرين".
ومن بين القصص المعقّدة، هروب امرأة تدعى سمية من منزلها في مدينة قصور بإقليم البنجاب، قبل عامين، لأنها أرادت أن تتزوج من جارها، لكن أباها زوّجها بأحد وجهاء المنطقة الذي كان متزوجاً من امرأتين، وحين قررت الهروب لم يقبل الشاب التي أحبته ذلك، فخرجت من المنزل إلى مدينة لاهور حيث كانت تعيش زميلة لها، وبعدما عثرت على بيت زميلتها بصعوبة، رفضت أسرة الزميلة إيواءها، فذهبت إلى بيت للمسنين في المدينة قبلت إدارته استقبالها شرط أن تخدم المسنين.
وتقول سمية لـ" العربي الجديد": " أمضيت أياماً صعبة.
لا تقبلني أسرتي، ولم أجرؤ على العودة إلى المنزل لأني على علاقة بشاب في مدينة لاهور وعدني بأن نتزوج، وقد غاب ستة أشهر وأغلق هاتفه الخليوي، في حين بقيت في دار المسنين أخدم كبار السن مقابل الإيواء والطعام وقليل من المال".
وتقول القيادية في حزب الرابطة الإسلامية الحاكم الناشطة النسوية، عظمى بخاري، لـ" العربي الجديد": " ليست ظاهرة هروب النساء جديدة، لكن وتيرتها ارتفعت أخيراً بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، والهواتف الخليوية، والانفتاح المتزايد، والسهولة المفرطة في العلاقات.
ولا شك في أن الآباء وأولياء الأمور يساهمون في تزايد حالات هروب الفتيات، لأنهم لا يراعون أن فتاة اليوم ليست مثلها قبل 50 سنة، وأصبحت مثقفة ومتعلمة، وتعيش في دنيا باتت صغيرة جداً في ظل التواصل السهل.
وتصرفات أفراد العائلة والأقرباء والمجتمع تجبر النساء على الهروب من المنزل".
وتؤكد عظمى أن" البطالة المستشرية والأعراف السائدة تؤدي إلى عنف أسري يُجبر المرأة على اتخاذ قرارات خطيرة مثل الانتحار أو الهروب، وقتل الأزواج أحياناً.
وقبل أيام قتلت امرأة في الـ36 من العمر أطفالها الثلاثة ثم انتحرت، لأن الزوج مدمن والديون متراكمة عليه".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك