في السودان، لا تبدو الأزمة الاقتصادية مجرد أرقام تتراقص في نشرات الأخبار، ولا هي تقارير باردة تُكتب في مكاتب مكيفة بعيدة عن الناس.
الأزمة هنا تمشي في الأسواق، تركب الحافلات المكتظة، تتفاعل مع غلاء أسعار الخبز والوقود، ثم تعود آخر النهار مع الموظف إلى منزله الخافت، لتجلس معه على مائدة تكاد تخلو من أبسط مقومات الحياة.
المواطن السوداني، وحتى من قبل زمن الحرب، لم يعد يسأل عن الرفاهية ولا عن الأحلام الكبيرة التي كانت تتحدث عنها الحكومات المتعاقبة.
كل ما يريده الآن هو أن ينجو بيومه بأقل قدر ممكن من الانكسار.
ومع ذلك، لا تزال النخب السياسية والاقتصادية تتعامل مع البلاد وكأنها غنيمة مؤقتة أو ساحة لتصفية الحسابات، لا وطن يوشك أن ينهار فوق رؤوس الجميع.
من المؤلم أن السودان، بكل موارده الهائلة، يقف اليوم على حافة عجز شامل؛ ليس بسبب الحرب فقط، أو لأن الأرض فقيرة، ولا لأن الشعب عاجز عن العمل، وإنما لأن الأنانية تحولت، بصورة تدريجية، إلى منهج إدارة كامل، تغلغل داخل النسيج المجتمعي قبل السياسي بصورة سرطانية.
كل طرف يريد نصيبه فوراً، وكل جماعة تبحث عن امتيازاتها بمعزل عن الكارثة العامة، حتى صار المشهد أشبه بسفينة تتسرب إليها المياه بينما يتشاجر ركابها حول المقاعد الأفضل.
وكما جرت العادة، ارتفعت الأصوات المطالبة بتحسين الأجور وزيادة الرواتب، وهو مطلب مشروع لا يختلف عليه اثنان، لأن الموظف السوداني أصبح عملياً خارج معادلة الحياة الكريمة.
غير أن المشكلة لم تكن يوماً في المطالبة بالحقوق، بل في غياب الرؤية الوطنية الشاملة التي توازن بين الحقوق والإمكانات، بين الحاجة الملحة والقدرة الفعلية للدولة المنهكة بسبب الحروب والفساد وسوء الإدارة.
فالزيادة التي لا تستند إلى إنتاج حقيقي تتحول سريعاً إلى وقود جديد للتضخم، ثم يكتشف المواطن، بعد أشهر قليلة، أن ما دخل جيبه خرج مضاعفاً من السوق، وكأننا ندور في حلقة جهنمية: الحكومة ترفع الأجور تحت الضغط، السوق ترفع الأسعار بلا رحمة، ثم يعود الناس إلى المطالبة بزيادات جديدة، فيما الجنيه السوداني يواصل سقوطه الحر.
المواطن السوداني لم يعد يسأل عن الرفاهية ولا عن الأحلام الكبيرة التي كانت تتحدث عنها الحكومات المتعاقبة، كل ما يريده الآن هو أن ينجو بيومه بأقل قدر ممكن من الانكسارلكن السؤال الأهم: لماذا وصلنا إلى هذه المرحلة أصلاً؟الإجابة المؤلمة أن الجميع، بدرجات متفاوتة، شارك في صناعة هذا الخراب.
السياسي الذي قدّم حزبه على الوطن، والتاجر الذي استغل الأزمات لاحتكار السلع، والمسؤول الذي رأى المنصب فرصة شخصية لا تكليفاً عاماً، وحتى بعض النخب التي ظلّت تتحدث باسم الشعب بينما تفاوض لتحسين شروطها الخاصة خلف الأبواب المغلقة! !السوداني البسيط، الذي طحنته الحروب ومن قبلها فساد الحكومات، لم يعد يثق كثيراً بالشعارات الكبيرة.
فقد سمع بما يكفي عن الإصلاح والانتقال والنهضة، بينما واقعه اليومي يزداد قسوة.
ولذلك، فإن أخطر ما يهدد البلاد الآن ليس فقط الانهيار الاقتصادي، بل الانهيار المعنوي أيضاً؛ ذلك الشعور الجماعي بأن لا أحد يفكر في الوطن بقدر ما يفكر في نفسه.
وحين تموت الفكرة الوطنية، تصبح الدولة مجرد هيكل هشّ، يسهل تمزيقه عند أول عاصفة.
ما يحتاجه السودان اليوم ليس معجزة اقتصادية مستحيلة، بل قدر من التعقل والتجرد.
يحتاج إلى أن تدرك القوى السياسية أن المكاسب الصغيرة في بلد محترق ليست انتصاراً، وأن يدرك رجال الأعمال أن السوق لا يمكن أن تعيش وسط مجاعة عامة، وأن تفهم مؤسسات الدولة أن الناس لم تعد تحتمل المزيد من التجارب المرتجلة.
البلاد بحاجة إلى مشروع أخلاقي قبل أن تكون بحاجة إلى مشروع اقتصادي، لأن الاقتصاد نفسه لا ينهض في بيئة يسودها الجشع وانعدام الثقة والافتراس المتبادل.
تاريخ الشعوب يخبرنا أن الأوطان لا تسقط دفعة واحدة، وإنما تنهار ببطء حين يصبح التضامن سلوكاً نادراً، والأنانية فضيلة مقبولة، والصمت على الخراب نوعاً من التكيّف.
وربما آن الأوان لأن يسأل السودانيون أنفسهم بصدق مؤلم: ماذا لو جرّب كل طرف أن يتنازل قليلاً من أجل هذا البلد؟ ماذا لو خفّف السياسيون من صراعهم المحموم على السلطة؟ ماذا لو كفّ التجار عن استغلال الأزمات؟ ماذا لو تحوّلت الوطنية من خطابات موسمية إلى ممارسة يومية؟قد تبدو هذه الأسئلة حالمة في زمن الخراب، لكنها في الحقيقة آخر ما تبقى لإنقاذ وطن يتآكل من الداخل.
لأن السودان، ببساطة، لن ينجو إذا ظل كل واحد يقول: " المهم أنا وأهلي".
لا ينهض السودان بكثرة الشعارات ولا بتبديل الوجوه، بل بقيام حكومة قوية تمتلك القرار والإرادة وتضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة.
فالدولة التي تتنازعها المصالح لن تُنقذ شعباً أنهكته الأزمات، بينما تستطيع القيادة الحاسمة أن تعيد إلى الناس بعض الأمل في غدٍ واعد أو أقل قسوة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك