في عالم تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتغير معه أنماط القراءة والنشر، تبرز مبادرة ثقافية وفنية تحمل اسم" كيف تَ" كأحد المشاريع التي تسعى إلى إعادة التفكير في شكل الكتاب ودوره في الحياة اليومية.
تقوم المبادرة، التي أطلقتها الفنانتان البصريتان مها مأمون وآلاء يونس عام 2012، على فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها: إصدار كتب صغيرة الحجم، بحجم الجيب، سهلة الحمل والقراءة، بهدف جعل المعرفة أقرب إلى القارئ وأكثر حضورًا في تفاصيل حياته اليومية.
كسر القيود التقليدية لدور النشروتعتمد" كيف تَ" على النشر الذاتي بوصفه خيارًا أساسيًا، ما أتاح الفرصة لكتّاب شباب لتقديم أعمالهم خارج القيود التقليدية لدور النشر، الأمر الذي ساهم في بروز أسماء لاحقًا داخل المشهد الأدبي والفكري العربي.
وقالت آلاء يونس، في حديثها لبرنامج ضفاف الذي يُعرض على شاشة العربي 2، إن فكرة المشروع انطلقت من الحاجة إلى سد فجوة بين الفن المعاصر والجمهور العام، في ظل محدودية الكتب المتاحة باللغة العربية التي تشرح الفنون وفلسفتها بلغة مبسطة وقريبة من القارئ.
وأضافت أن اختيار شكل" كتاب الجيب" جاء لتسهيل الإنتاج والتوزيع وخفض الكلفة، إضافة إلى تشجيع القارئ على حمل الكتاب في حياته اليومية.
وعن التحديات التي تواجه النشر المستقل، أوضحت يونس أن قطاع النشر، في العالم العربي وخارجه، يعتمد إلى حد كبير على حسابات السوق والتمويل المسبق، ما يحد من فرص التجريب أمام أصوات جديدة.
وأفادت بأن المبادرة حاولت خلق مساحة بديلة تسمح بتجارب أكثر حرية، وتفتح المجال أمام أفكار غير تقليدية قد لا تجد طريقها إلى النشر التجاري.
وشددت على أن" كيف تَ" لا تسعى إلى منافسة دور النشر التقليدية أو استبدالها، بل إلى تقديم نموذج موازٍ يضيف إلى المشهد الثقافي ويعزز مفهوم النشر بوصفه ممارسة فنية، تقوم على التعاون بين الكاتب والفنان والمصمم والقارئ.
ومنذ توسعها عام 2019، نظمت المبادرة سلسلة معارض متخصصة في النشر والكتابة، بدأت في بيروت، ثم انتقلت إلى أبوظبي وعُمان والرياض، وصولًا إلى نيودلهي.
ولم تقتصر هذه المعارض على عرض الكتب، بل شملت أبحاثًا حول تاريخ النشر العربي، إضافة إلى لقاءات مع ناشرين وفنانين.
وفي أحد معارضها الأخيرة ضمن" بينالي الدرعية" في الرياض، ركزت المبادرة على البعد الرقمي في النشر، حيث جرى عرض أعمال فنية وتقنية تعكس تطور علاقة الثقافة بالتكنولوجيا، من بينها عرض جهاز" صخر" الذي مثّل أحد أوائل محاولات تعريب الحواسيب في العالم العربي خلال الثمانينيات.
وتطرح المبادرة اليوم سؤالًا أوسع من مجرد تجربة نشر: هل" كيف تَ" مجرد مشروع كتب صغيرة، أم أنها حركة ثقافية تعيد صياغة العلاقة بين الكاتب والقارئ، وبين الكتاب والسوق، وبين الثقافة والتكنولوجيا؟وبين التجريب الفني والتوثيق الثقافي، تواصل" كيف تَ" بناء مسارها بوصفها مساحة مفتوحة للنشر المستقل، تعيد تعريف الكتاب ككائن حي يتنقل بين الفن والمعرفة والحياة اليومية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك