ما يعرفه الإنسان عن العالم الخارجي ضئيل، وما يعرفه عن نفسه أضأل.
مجهولون يعيشون في المجهول؛ هذا أحسن تعريف لبني البشر.
كان الصباح في أوله، والشارع ما يزال نائماً لأن الدكاكين مقفلة.
مرّت ساعة وساعتان وأنا ما زلت أجلس وحيداً.
ملّ عاملُ المقهى مني، وأنا شبعتُ من طلّته عليّ.
يراني أقرأ وأدوّن ملاحظات، ثم أعود إلى الكتاب وكأن لا شيء حولي، لا بهاء السماء ولا البحر، ولا حتى الشاطئ الرمليّ الفسيح الذي تفتخر به مدينة سوسة.
بعد التاسعة حضر عدد من الزبائن، وفي العاشرة امتلأ المقهى بهم.
يقول نوفاليس: «الناس يسيرون في دروب مختلفة، ومن يتبعهم ويقارن بينهم سيشهد ولادة أشكال غريبة»، والمكان الأمثل لشهادة هذه الأشكال بالطبع هو المقهى.
يحتاج المكان إلى زمان يتمدّد فيه، لكنه هنا متشابه، الساعات والأيام والسنين تمرّ سريعة، يقضيها الزبائن في تناول مواضيع لا اختلاف فيها أو تغيير كبير، أو يطيلون النظر داخل النفس ومحاولة رسم صورة حقيقية أو كاريكاتيرية لها، وقد يتناوب ظهور الصورتين لدى الشخص نفسه وفي الساعة ذاتها.
في مشهد في رواية «مئة عام من العزلة»، يجلس أحد آباء أسرة ماكوندو العتيدة مع زوجته، وهما يقلّبان الأفكار بينهما، يظهر لهما هذان النوعان من الرسوم المتعارضة للنفس، البائسة والحزينة، والأخرى الراضية والسعيدة.
نحن نمرّ جميعاً بهذا الشعور الذهني في حياتنا، ونعرّض أنفسنا للسخط عليها والتذمّر والغضب، أو الرضا والاقتناع والفخر، حسب طريقة تفكيرنا في اللحظة، ولا ندري كيف نقطع المسافة بين الشعورين بسهولة، رغم طولها البالغ.
يقول ماريو بينيديتي: «أحياناً أشعر وكأنني تلّ فقير وأحياناً أشعر وكأنني جبل ذو قمم متكررة.
أحياناً أشعر وكأنني جرف، وأحيانً ًأخرى كسماء زرقاء بعيدة».
يحدث الأمر نفسه لزبائن المقهى، إلى حدّ أن البعض منهم يُغالي في شعوره، فهو مرتعد من الدهشة والغبطة من خبر سخيف يشاهده في موبايله أو على شاشة التلفزيون، وبعد قليل يعود أصمّ أعمى بليداً مثل خشبة سوداء خاوية.
إنه نوع من خفّة العقل بلا شك، لن ينعدم من يسمّيه من أطباء النفس «الاضطراب ثنائي القطب»، أو Manic depressive illness» ويحتاج من يُصاب به إصابة شديدة إلى العلاج.
مهما كانت هذه الحقيقة جنونية، فهي حياتنا، واقعنا، وجميع أصناف البشر يُعانون من هذا الداء بدرجات متفاوتة.
بمرور الوقت، أخذ الصخب يتعالى من حولي، باللهجة التونسية بالطبع؛ لغط ووشوشة وضجيج متنوع لا ينقطع، والعامل الواحد صار اثنين، يلبّيان بنشاط وخفة طلبات الجالسين.
الملاحظ أن لكلّ مقهى روتينه الخاص، ومفاتيح للحديث، كلمات معينة تُقال بين السطور، ونوعاً من الإشارات السرية الغامضة بين الزبائن، هي لغة ثانية يجيدونها وتختلف من بلد إلى آخر.
مرّ عدد من الكلاب المشرّدة على الرصيف المقابل، خطواتها الباردة بلغتني لا عن طريق النظر أو السمع، إنما بواسطة اللمس، لكنه لمس من نوع آخر، ذكّرني بوجود أصابعي.
عن سعدي يوسف:«أحياناً نتذكّر أننا بشرٌ، أنّ لنا، كالحيوان، عيوناً…أن لنا أطرافاً تتحرّكُ أيضا».
ملاحظة يذكرها فؤاد التكرلي في إحدى قصصه، أن الحيوان كائن كامل، لأنه لا يريد تغيير نوعه (أو جنسه)، فالفأر يظل فأراً والأسد والغوريلا.
صاحب هذا الاعتقاد في الأصل هو الهولندي باروخ سبينوزا: «يرغب الحجر في أن يكون حجراً، والنمر في أن يكون نمراً»، بينما أمر الإنسان مختلف، لأنه يفكر ويسعى للتغيير، ويتعلق بأشياء خارجية (مال، شهرة، سلطة)، غافلاً عن جوهر وجوده.
ورد هذا في كتاب «الأخلاق» في القرن السابع عشر، وجرى عليه فلاسفة آخرون، وتوصّلوا إلى نتائج قريبة.
جان جاك روسو: «الإنسان كائن ناقص يحتاج إلى التطور والتقدم، وهذه الحاجة تُعطي لحياته معنى».
نيتشه: «الإنسان كائن غير مكتمل أو كائن مريض».
سارتر: «الإنسان مشروع قائم على الذات، ويسعى دائما لتعريف نفسه».
لكن أول من صرّح بهذا الرأي هو ابن خلدون في مقدمته: «الإنسان مدني بالطبع»، ويطلب الاجتماع مع الآخرين لكي يكمل نقصه، والعمران (الحضارة) هو نتيجة هذا الاجتماع.
البشر وحدهم يحتاجون إلى أن يكونوا مهندسين أو صحافيين أو محامين ــ في نوع من الحنين إلى ذلك النوع من الكمال (السبينوزي) الخاص والصافي.
أحد الكلاب ربما بلغته أفكاري، فنبح ثلاث مرات بصخب ثم سكت، وراح يستلقي على الأرض بلا حراك، وعيناه تنظران إلى لا شيء، وإلى كلّ شيء.
عندما أكمل جياكوميتي نحت تمثال الكلب، قال للحاضرين معه: «إنه أنا.
ذات يوم رأيتُني في الشارع مثل كلب سائب.
من فرط حبي له، أنجزت العمل دون الحاجة إلى موديل، وتمّ كلّ شيء من الذاكرة».
بيكاسو كان غارقاً في حبّ عنزه الأليف، حتى إنه قال لزوجته فرانسواز جيلو، الشابة رائعة الجمال: «هل تعلمين؟ إنه أجمل وأكثر سحراً منك».
يُشارك هذه ال«حماس»ة في الرغبة والحبّ الروائي إلياس كانيتي: «إنني مستعد للتضحية بسنوات من حياتي، لكي أصبح، لبعض الوقت، حيواناً».
ومن الأقدمين فضح عنوانُ كتاب الإمام ابن المرزبان البغدادي محتواه: «فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب».
ما أغرب أن يصل تقدير الحيوان إلى درجة تتجاوز مكانة الإنسان العاقل.
ومع ذلك، قام هذا الاعتقاد في رؤوس نوابغ عاشوا في فترات وأمكنة متباينة.
أسهل شيء في الوجود أن يظهر المرء للناس وكأنه ينطوي على سرّ عظيم، وجميعُ روّاد المقاهي ينطبق عليهم هذا النعت.
عندما تعالى أذان الظهيرة راح المحلّ يخلو من الزبائن تدريجياً، وبعد قليل ساد الهدوء، ونبحت جميع الكلاب معاً بصوت بلغني قويّاً، رغم أنها ابتعدت كثيراً باتجاه الشاطئ.
في تونس الخضراء لا يوجد ذباب، إنما نحلٌ طائر شمّ رائحة الشاي في قدحي، وارتفع طنين أجنحته كأنه أزيز مراوح صغيرة.
جاءت امرأة وجلست عند الطاولة القريبة، تحت ظلّ شمسية ملونة.
هل هي في الثلاثين، أم أقلّ؟ كانت ترتدي ثوباً سمّاقياً وتحمل حقيبة صفراء فاتحة.
النهار نحاسٌ في بلادي هذه الساعة.
النهار رصاصٌ ورماد.
بينما نهارُ سوسة مصنوع من زفير أزرق، وفي البحر تعلو الأمواج عند الشاطئ، وفي البُعد يلوح زورق واقف في مكانه.
كم كان عراق الوهم جميلاً! قال هذه العبارة الشيوعيون في الخمسينيات، وقلناها في الواحد وتسعين أيام الانتفاضة، ثم رددناها أخيراً مع جنود المارينز (المحرّرين! ) في 2003، وأكل الجميع الطُعم جيدا.
ليس كل البشر هم نفس البشر الآخرين، والشاهد على ذلك المقعد في المقهى، يضمّ ذا النفس الخبيثة ومن هو طيّب السريرة، ويتناوب عليه الإنسان الشرير والخيّر، ومن له ملامح واضحة يحلّ محلّ من يرتدي ما لا نهاية له من الأقنعة.
إنه وعاء ممتلئ بالرماد والتراب والماء والنار، وكلّ وعاء بما فيه ينضح.
الجوّ في زاوية سوسة الهادئة هذه يبدو لي الآن مثل حلم؛ النادل جالس في مكانه، والمرأة تتأمل البحر وصوت الموسيقى.
ليس هناك أعذب من رائحة العرق البشري الأنثوي، أي ما يُدعى عطر الجسد.
هل بلغتني هذه الرائحة في الواقع أم بواسطة الخيال، الذي هو قوة من قوى الطبيعة، ويُريد أن يُثبت نفسه؟ قطّ يدنو حثيثا، ثم قفز فجأة إلى حضن المرأة.
تحرّك وجهها بتعابير الانزعاج أولاً، وحين بدر من القطّ ما يسترضي ويأسر، أخذت المرأة تمسّد شعره البرتقالي اللون بحنان، مع ابتسامة حزينة أضاءت وجهها.
شيئاً فشيئاً بدأ المشهد يتلوّن في ناظري، تاركاً العالم رمادياً من حولي، وأنا أيضاً رمادي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك