السلام.
تلك الكلمة الساحرة التي ظلت تشكل هاجس الشرق الأوسط، الذي باتت مسلسلات السلام المحبطة تثقل كاهله، والسلام المستتب، السلام الدائم الذي تنشده كل البلدان المتخبطة في دوامات من الصراعات، لا يمكن اختصاره في مفاوضات أو خطط طريق، أو وقف لإطلاق النار، إن السلام نتاج مخاض عسير يختزل مقومات دبلوماسية ناجحة.
والدبلوماسية الفرنسية دبلوماسية تنشط في المنطقة منذ عقود، ما يجعلها تملك من الأوراق ما لا تملكه الدبلوماسية الأمريكية لما نسجته من علاقات تتجذر في ثقة نشأت في سياق تواصل مستمر يحدد تناغما وإخلاصا، يرسمان آفاقا ومشاريع تفرز تطلعات.
لكن المعضلة أن الدبلوماسية لا يمكن حصرها في الملامح، ولا في الأفق ولا في التطلعات.
صحيح، أن مشهد الدبلوماسية الفرنسية في الشرق الأوسط، مشهد لافت لعدة اعتبارات: تاريخية، اقتصادية، ثقافية.
وهذه الثلاثية، لا ريب في ذلك، تصنع هوية.
فلا تتشكل هوية بلد من الداخل فقط، ولكن من الخارج أيضا.
وهنا يكون من غير المسؤول استبعاد نطاق «الخارجية» من السياسة الوطنية، فيما الاثنان مترابطان.
لكن، كثيرا ما يتم إسقاط هذه البديهية من المعادلة، وربما يساعد على فهم خطورة ذلك، أن العلاقات الخارجية تتجاوز بكثير المفهوم المتداول «الرسمي» للعلاقات الطيبة و»التعاون النموذجي» وما يشابه ذلك من العبارات التي لن تتجاوز الطابع الفضفاض طالما لا نبحث في جوهر هذه العلاقات، جذورها، ومدى قدرتها على خلق أرضية للتنسيق العملي.
ومفتاح فهم ذلك قلب الدبلوماسية التي تتحرك في العلن كما في الخفاء.
هنا، ننسى، من بين عوامل أخرى، كيف تحرك دبلوماسية العواصم عصب حياة النشاط التفاوضي، فقد بات لباريس دور فعال في تنظيم مؤتمرات وجولات تفاوضية، يشمل عدد كبير منها الواقع العربي، كما نشهده حاليا أيضا في إسلام أباد وفي مسقط.
الدبلوماسية بالتأكيد فلسفة وممارسة وتجربة راسخة في التاريخ، ولفرنسا ثوابت راسخة، كالتشبت بالدولة المدنية، وحدها القادرة على ضمان التعايش السلمي بين المكونات الاجتماعيةوالدبلوماسية نفسها مقوم من مقومات كيان أشمل، وهو العلاقات الخارجية.
فلا تتوقف عند مجرد تقديم آليات يستعملها محترفو الدبلوماسية المفوضون من قادة البلدان.
ومن أكثر الأدلة وضوحاً في ذلك، واقع كثيراً ما ننساه أيضاً، وتكفينا لإدراكه مجرد الاستعمالات المتداولة في المصطلحات، التي تستعمل فيها كلمة «دبلوماسية»، منها، «الدبلوماسية الثقافية».
فإن يكون للغة بلد مكانة في العالم، مدارس تعليمية، خصوصيات تربوية، مزايا تترجم كلها قدرة على التمسك بجواهر تساهم مصيريا في ارتقاء خادم الدولة كالدبلوماسي، من موقع الموظف البروتوكولي، الذي يدير كابينهات وزارية مغلقة إلى ناطق رسمي لروح وفلسفة بلد.
ولفرنسا هذه الكفاءة جينيا، لكننا دخلنا عالما ذا هوية جديدة هجينة، مركبا من قوتين واحدة ناعمة والأخرى خشنة.
وفي ظل هذا السياق المتحول، الذي باتت الشعبوية تنحته أكثر فأكثر، أصبحت العقلية الدبلوماسية المبنية على النظرات المستقبلية والرؤى بعيدة المدى، مجبرة على منافسة عقلية الصفقات التي ما زالت تتسرب إلى قاعات توقيع الاتفاقيات الدولية، ما يحرف مناطق النفوذ عن رسالتها الأسمى المفترض فيها بناء أرضية للتعايش والإبداع والرفاه.
كلنا نتذكر كيف قادت فرنسا تحالف الدول المناهضة الرافضة لمجاراة التدخل العسكري الأمريكي في العراق، أيام حرب الخليج الثانية.
كلنا نتذكر كيف جاهر جاك شيراك خلال زيارة مشهودة له إلى الأراضي الفلسطينية بعجزه عن تحمل المزيد من ضغوطات الحرس الأمني الإسرائيلي، التي لم تستهدف حمايته بقدر ما كانت تسعى لردع أهالي فلسطين المحتلة عن إحاطة الرئيس الفرنسي بمظاهر الترحيب المغروسة في طبيعتهم.
الدبلوماسية بالتأكيد فلسفة وممارسة وتجربة راسخة في التاريخ، ولفرنسا ثوابت راسخة، كالتشبت بالدولة المدنية، وحدها القادرة على ضمان التعايش السلمي بين المكونات الاجتماعية، وعضويتها في مجلس أمن الأمم المتحدة تمنح لها صوتا لا يزال نافذاً.
لكن الدبلوماسية دخلت بوضوح في مرحلة جديدة، مرحلة أدخلت الدبلوماسيات الرئيسية الثلاث في حلبة التنافس، وهذه الثلاثية نعرفها: دبلوماسية أمريكية، صينية، وأوروبية تسعى فرنسا لقيادتها.
وكل الرهان هنا، في ضمان غلبة نزاهة الأفكار وسمو التوجهات، حتى لا ننتقل ذات يوم إلى الارتهان بقيمة أسهم دبلوماسية متحولة إلى سوق.
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك