ترسّخ دار الباهي مكانة قطر على خريطة المزادات العالمية، بوصفها منصّة تربط بين الفنانين والمهتمين بالفنون والمقتنيات النادرة منذ أكثر من عشرة أعوام، وتطمح للتوسع إقليمياً نحو دول الخليج وشمال أفريقيا.
في قلب الحيّ الثقافي" كتارا" في الدوحة، رسّخت دار الباهي للمزادات حضورها بوصفها أول دار مزادات قطرية وعربية الطابع في السوق المحلي، لتقدّم نموذجاً يجمع بين البيع، والتوثيق، والتثقيف الفني في آنٍ واحد.
ومنذ انطلاقتها في مارس/آذار 2016، تحوّلت الدار إلى منصة تربط بين المقتنين والفنانين والمهتمين بالفنون والمقتنيات النادرة، مع سعي مُعلن إلى وضع قطر على خريطة المزادات الدولية.
وشكّل افتتاح دار الباهي في كتارا محطة لافتة في المشهد الثقافي القطري، إذ جاء المشروع في بيئة تحتضن الفنون والمعارض والفعاليات المعرفية، ما منح الدار بُعداً يتجاوز الطابع التجاري التقليدي، وارتبط المزاد الأول للدار بالفن الإسلامي والاستشراقي، في إشارةٍ مبكرة إلى الرغبة في الانطلاق من المقتنيات ذات القيمة التاريخية والحضارية، لا من مجرد الأعمال القابلة للتداول السريع.
يقول صاحب الدار رجل الأعمال القطري، أشرف أبو عيسى لـ" العربي الجديد"، إنّ دار الباهي جاءت" لتُكمل المشهد الثقافي في قطر وفي دول الخليج".
ويكشف هذا التصور أن الدار لم تُبنَ بوصفها مشروعاً تجارياً فقط، بل باعتبارها جزءاً من بنية ثقافية أوسع تسعى إلى ترسيخ ثقافة الاقتناء والمعرفة بالسوق الفنية.
ويرى أبو عيسى أنّ المزادات لا تُختزل في البيع والشراء، بل تؤدي دوراً مرجعياً للفنانين والمقتنين والباحثين في تاريخ الأعمال الفنية وقيمتها السوقية.
ويقول: " المزادات في كل مكان في العالم لها أهمية لأنها توثق أشياء كثيرة، من ناحية التاريخ، ومن ناحية السعر، ومن ناحية جودة العمل، أو حتى أصالة العمل، إذا هو فعلاً أصلي أم غير أصلي".
ويضيف: " عندنا كثير من الفنانين العرب ليس لهم أصلاً مرجعية في أي مكان عن لوحاتهم وأعمالهم.
فوجودهم في المزاد يوثّق هذه الصفات، بما يمنح أعمالهم سجلاً سعرياً ومهنياً يُمكن العودة إليه لاحقاً عند التقييم أو التداول".
ومن هذه الزاوية، تبدو دار الباهي كأنّها تسدّ فراغاً في المنطقة، حيث ظلّت السوق الفنية العربية لسنواتٍ طويلة تفتقر إلى منصّات منظمة تحفظ بيانات الأعمال وتواريخ تداولها على نحو احترافي.
وفي نظرته إلى المزادات، يستند رئيس مجلس إدارة" أبو عيسى القابضة" إلى خبرةٍ أقدم في سوق العرض الفني، إذ يشير إلى أنه افتُتح في أواخر التسعينيات أول غاليري في قطر حمل اسم" غاليري بيسان"، ما جعله يرى الفارق بين السوق الأولية والسوق الثانوية للأعمال الفنية.
ويشرح هذه الفكرة بقوله إنّ الغاليري يمثل السوق الأولية التي يبيع فيها الفنان أعماله مباشرةً، بينما يُعدّ المزاد سوقاً ثانوية، تنتقل فيه القطعة من مقتنٍ إلى آخر بعد البيع الأول.
ويؤكد في هذا الإطار، أن الغاليري لا يكفي وحده فازدهار الفنّ لا يعتمد فقط على الإنتاج والعرض، بل أيضاً على وجود آلية موثوقة لإعادة التداول، بما يعزّز ثقة المُشترين ويمنح الأعمال حياة أطول داخل السوق.
وسّعت دار الباهي خلال سنوات عملها، دائرة جمهورها خارج قطر، مستفيدةً من المنصّات الرقمية وسهولة الشحن والانفتاح المتزايد على المزادات الإلكترونية.
ويشير أبو عيسى إلى هذا الامتداد بقوله إنّ المبيعات لم تعد محلية فقط، بل باتت موزّعة بين قطر، والعالم العربي، وأسواق دولية، ويشير إلى أن" زبائن من اليابان وكندا وأستراليا وغيرها اشتروا من الدار".
ويربط هذا الاتّساع بالتطور اللوجستي والتقني، ويقول: " وجود الإنترنت وسهولة الشحن وسلاسة التوصيل يوصل فنّك وتراثك وشخصيتك كعربيّ لكلّ مكان في العالم".
ويتحدث عن الطموح للتوسّع إقليمياً نحو الخليج وشمال أفريقيا، إذ توجد كنوز فنية غير معروفة بسبب قلّة التواصل والمعلومات، مبدياً استعدادهم لإقامة مزادات خارج قطر إذا توافرت القطع المناسبة في دول أخرى.
وثمّة نقطة مهمة في فهم تجربة الباهي، فالدار لا تطرح فقط مقتنيات للبيع، بل تساهم أيضاً في تصدير صورة ثقافية عربية إلى خارج المنطقة، عبر أعمال الخط، والتحف، والسجاد، واللوحات ذات الصلة بالهوية البصرية والتراثية العربية.
تميّزت دار الباهي منذ تأسيسها بالتنوّع، إذ نظّمت مزادات للفن الإسلامي والاستشراقي، وأرقام السيارات، والسجاد والبسط الشرقية، كما أعلنت اهتمامها باللوحات، والساعات، والمجوهرات، والسيارات، وغيرها من المقتنيات النادرة.
غير أن هذا التنوع لا ينفصل عن جانب تثقيفي حاضر، فالمكان أيضاً فضاءً لتثقيف الناس بالمزاد وأهميته، مع نشاطات شهرية وبرامج تسهم في رفع الوعي بالفنون الكلاسيكية والمقتنيات.
هذا البُعد ظهر في المزاد الخيري" الفن من أجل السلام" الذي نُظّم بالتعاون مع متاحف قطر والهلال الأحمر القطري لصالح غزة في عام 2024.
في سوق المزادات، لا تبدو السمعة عنصراً ثانوياً، بل هي رأس المال الحقيقي، وهذا ما يعبّر عنه صاحب" الباهي" حين يشدّد على أن قوّة دار المزادات تبدأ من الثقة في أصالة القطع ودقة وصفها ووضوح حالتها.
ومن هنا تأتي أهمية الاستعانة بالخبراء، وذكر التفاصيل الفنية بدقة، وحماية حقّ المشتري في المعرفة قبل اتّخاذ قرار المزايدة، وهي مبادئ تكرّرت في وصف الدار لنفسها منذ بدايتها، من خلال الالتزام بالخدمات عالية الجودة، ومساعدة الزبائن في الوصول إلى الأسعار المناسبة ضمن السوق الدولية للفنون.
لذلك، لا يمكن قراءة تجربة دار الباهي فقط بوصفها مشروعاً لبيع المقتنيات، بل بوصفها محاولة لتأسيس سوق أكثر نضجاً وشفافية في دولة قطر، إذ إنّ كل مزاد ناجح لا يضيف رقماً إلى سجل المبيعات فحسب، بل يرسّخ أيضاً عادةً ثقافية جديدة، أن يكون للفن العربي سجلّ، وأن تكون للمقتنيات مرجعية، وأن يجد المُقتني في الدوحة منصّة موثوقة يمكنها مخاطبة السوق الإقليمية والعالمية في الوقت نفسه.
بهذا المعنى، تبدو دار الباهي للمزادات أكثر من مجرد صالة عرض في كتارا، إنّها مشروع ثقافي وتجاري يربط بين التراث والاقتصاد الإبداعي، وبين الفنان والمُقتني، وبين المحلي والعالمي.
ومع استمرارها في تنظيم المزادات المتخصّصة وتوسيع قاعدة جمهورها وتأكيد دورها التثقيفي، تواصل الدار ترسيخ موقعها بوصفها واحدة من أبرز العلامات التي أسهمت في إدخال قطر إلى مشهد المزادات الاحترافية في المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك