يشهد عالم البودكاست الإخباري تحولاً جذرياً يتجاوز مجرد الانتقال من الصوت إلى الصورة، ليطال نماذج الإنتاج والتوزيع وتحقيق الإيرادات، وحتى طبيعة العلاقة بين الجمهور والمؤسسات الإعلامية.
ففي وقت تواجه فيه الصحافة التقليدية تحديات متصاعدة تتعلق بتراجع الثقة وتفتت الجمهور وهيمنة المنصات الرقمية، بات البودكاست يمثل بالنسبة إلى كثير من المؤسسات الإخبارية مساحة جديدة لإعادة بناء الولاء وجذب جمهور أصغر سناً وأكثر استعداداً للدفع.
هذه التحولات كانت محور حلقة جديدة من بودكاست" مستقبل الصحافة" الصادر عن معهد رويترز، والتي ناقشت نتائج تقرير أعده الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي نيك نيومان بعنوان" الشكل المتغير والاقتصاديات الجديدة لبودكاست الأخبار: من الاستماع إلى المشاهدة، ومن البودكاست إلى العروض"، وقد حاورته في الحلقة مديرة المعهد ميتالي موخيرجي.
ويرى نيومان أن البودكاست يعيش اليوم لحظة تحول جديدة تشبه تلك التي شهدها القطاع في عامي 2019 و2020، عندما انطلقت موجة البودكاست الإخباري اليومي وازدهرت الأعمال السردية الطويلة بدعم من منصات مثل" سبوتيفاي"، لكن التحول الحالي أكثر عمقاً، لأنه لا يقتصر على المحتوى، بل يشمل المنصات نفسها ونماذج الأعمال وسلوك الجمهور.
ويشير التقرير إلى أن البودكاست لم يعد منتجاً صوتياً خالصاً، بل أصبح عرضاً إعلامياً متعدد الأشكال، يتنقل بين الصوت والفيديو ومنصات التواصل والبث الحي.
ففي الولايات المتحدة تحديداً، تحولت برامج مثل برنامج جو روغن وبرنامج تاكر كارلسون إلى نماذج هجينة تجمع بين التلفزيون التقليدي ومنصات الفيديو الحديثة، خصوصاً يوتيوب، الذي بات يشكل بالنسبة إلى كثير من المؤسسات الإعلامية منصة بث رئيسية أكثر من كونه مجرد موقع فيديو.
وبحسب نيومان، فإن صعود الفيديو لا يعني نهاية البودكاست الصوتي، بل يعكس تحولاً في أنماط الاستهلاك.
فالكثير من المستخدمين باتوا يتنقلون بين المشاهدة والاستماع بحسب السياق، يشاهدون الحلقات عبر يوتيوب في المنزل، ثم يستمعون إليها صوتياً أثناء القيادة أو التنقل.
كما أن الفيديو يعزز ما يسميه الباحثون العلاقة شبه الاجتماعية، أي شعور الجمهور بالقرب الشخصي من المقدمين والضيوف، وهو ما يزيد من معدلات الولاء والتفاعل.
وتكشف الحلقة أن مستخدمي البودكاست يمثلون فئة ثمينة للغاية بالنسبة إلى المؤسسات الإخبارية، فهم ليسوا مجرد مستهلكين عاديين للأخبار، بل جمهور كثيف الاستهلاك يتميز بولائه العالي للعلامات التجارية الإعلامية، ويميل إلى أن يكون أكثر تعليماً وأصغر سناً وأكثر استعداداً للدفع مقابل المحتوى.
ويقول نيومان إن بيانات المؤسسات الإعلامية تظهر أن البودكاست والنشرات البريدية الإلكترونية هما من أكثر المنتجات القادرة على دفع الجمهور إلى تجديد الاشتراكات وتعميق الارتباط بالمؤسسة الإعلامية.
كما يناقش التقرير التحول في أشكال البودكاست نفسها، ففي حين حافظ البودكاست الإخباري اليومي على حضوره، تراجعت السلاسل الوثائقية الطويلة والمكلفة، مقابل صعود البودكاست الحواري القائم على الشخصيات.
ويربط نيومان هذا التحول بعوامل اقتصادية وتقنية، أبرزها انخفاض تكلفة الإنتاج وسهولة تحويل البرامج الحوارية إلى فيديو، إضافة إلى تفضيل خوارزميات المنصات لهذا النوع من المحتوى ذي الإنتاج المتكرر والسريع.
وتوضح الحلقة أن هذا التحول دفع المؤسسات الإعلامية إلى إعادة النظر في إستراتيجياتها بالكامل، فصحيفة نيويورك تايمز مثلاً لا تزال تحافظ على نجاح بودكاستها الشهير" ذا ديلي"، لكنها بدأت في الوقت نفسه تجربة نسخ فيديو وتوسيع العلامة التجارية إلى منصات أخرى.
أما الغارديان فبدأت هي الأخرى إنتاج نسخ مرئية من برامجها الإخبارية، في المقابل، اختارت شركات أخرى مثل" غول هانغر" (Goalhanger) الذهاب بالكامل نحو نموذج الفيديو أولاً، مع تحويل برامجها إلى عروض مرئية قابلة للتوزيع عبر يوتيوب وحتى منصات البث التلفزيوني مثل نتفليكس.
ويشير التقرير إلى أن المنصات الرقمية لعبت الدور الأكبر في هذا التحول، فبعدما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أقل اعتماداً على مشاركة الأصدقاء وأكثر اعتماداً على التوصيات الخوارزمية، باتت المنصات تدفع بقوة نحو محتوى الفيديو القصير والطويل على حد سواء.
ولم يعد هذا التوجه مقتصرًا على يوتيوب، بل انضمت إليه منصات مثل سبوتيفاي وآبل وأمازون، التي بدأت جميعها في دعم الفيديو داخل تطبيقاتها الخاصة بالبودكاست.
أما اقتصاديات البودكاست، فتبدو هي الأخرى في طور إعادة التشكل، فبعد سنوات كان فيها الإعلان المصدر الرئيسي للإيرادات، بدأت المؤسسات الإعلامية في تنويع نماذج الربح.
وتشمل هذه النماذج الاشتراكات الصوتية، والعضويات المدفوعة، والمحتوى الحصري، والفعاليات الحية، وحتى بيع حقوق البرامج إلى شركات الإنتاج التلفزيوني ومنصات البث.
ويشير نيومان إلى أن بعض برامج البودكاست باتت تنظم مهرجانات جماهيرية ضخمة تجمع المستمعين بالمقدمين بشكل مباشر، في محاولة لتحويل العلاقة الرقمية إلى تجربة اجتماعية وتجارية متكاملة.
ورغم ذلك، يؤكد التقرير أن الجمهور لا يزال متردداً في دفع اشتراكات مستقلة للبودكاست الإخباري، خصوصاً مع تشبع السوق بالخدمات المدفوعة.
لكن ما يمنح البودكاست ميزة خاصة، بحسب نيومان، هو العلاقة الشخصية التي يبنيها مع الجمهور، وهي علاقة قد تدفع المستمعين إلى دعم البرامج عبر التبرعات أو الاشتراكات المرنة أو شراء المحتوى الإضافي والفعاليات الحية.
ولا تقتصر التحولات على الجمهور والمنصات فقط، بل تمتد إلى داخل غرف الأخبار نفسها، فمع تداخل الصوت والفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد النموذج التقليدي القائم على فصل أقسام الصوت عن الفيديو فعالاً.
وبدلاً من ذلك، بدأت المؤسسات الإعلامية في تبني نموذج جديد يقوم على البرامج والشخصيات، بحيث تعمل فرق متعددة التخصصات حول كل برنامج لإنتاج نسخ صوتية ومرئية ومقتطفات اجتماعية ومنتجات تجارية مرتبطة به.
ويخلص التقرير إلى أن مستقبل البودكاست الإخباري لن يكون مجرد امتداد للراديو التقليدي، بل أقرب إلى صناعة عروض إعلامية متكاملة، تتقاطع فيها الصحافة مع الترفيه والمنصات الرقمية والاقتصاد الإبداعي.
وفي ظل التغيرات المتسارعة في عادات الجمهور، يبدو أن المؤسسات الإخبارية لم تعد تتنافس فقط على إنتاج الأخبار، بل على بناء شخصيات وعلامات وبرامج قادرة على الاحتفاظ بانتباه الجمهور داخل اقتصاد المنصات الجديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك