ويستعرض تميم البرغوثي خلال حلقة جديدة من برنامج" مع تميم" نص قصيدة لشكسبير ضمن حوار أدبي يلخص الحكمة من رحلة الإنسان في مسرحية" كما تشاء" (As You Like It).
لكن المفارقة في هذا النص، كما يشير البرغوثي، هي أن هذه الحكمة لا تأتي في قالب الوعظ الجاف، بل تطل علينا من نافذة السخرية المريرة.
ففي أوقات النفي والمآسي الكبرى، تداهمنا الأسئلة الوجودية، لنسخر من حكمة كبار السن، ونتساءل بمرارة: " أية حكمة أوصلتنا إلى هاهنا؟ ".
في الغابة، حيث يُنفى الدوق ووزيره في رائعة شكسبير، تذوب الفوارق بين المستشار والمهرج، ويصبح قول الوزير الحكيم مشوباً بالسخرية، وتغدو سخرية المهرج هي جوهر الحكمة المتبقية في عالم مجنون.
وكأن النص الأدبي يجيب عن تساؤل: لماذا نحتاج إلى المهرجين في هذه اللحظات القاسية؟ ويذكر أن أهمية السخرية تكمن في تجريد الإنسان من غروره، وأن المهرجين وحدهم القادرون على إخبار المرء بالحقيقة العارية؛ وهي أننا لسنا أبطالاً خالدين، بل مجرد" ممثلين" على مسرح دنيا ضخم.
ومن خلال ترجمته الشعرية البديعة التي حافظت على الإيقاع والروح العربية، ينقلنا البرغوثي عبر الأدوار السبعة التي يلعبها الإنسان على خشبة هذا المسرح.
وهي رحلة تبدأ بالعبث وتنتهي بالعدم، وكل ما بينهما مجرد محاولات بائسة لإعطاء الحياة وزناً.
يسخر النص الشكسبيري من كل أطوارنا؛ فالطفل ليس ملاكا وادعا، بل كائن يرفس كالبغل ويبكي في يد الخادم والتلميذ يسير منحنيا كالحلزون في تبرم للمدرسة والعاشق ليس سوى أبله يتنهد ويصوغ الأغاني لمعشوقته.
ولعل أبلغ إسقاط على واقعنا المليء بالحروب والموت يتجلى في المشهد الرابع لحياة الإنسان، الذي يصوره على أنه جندي.
هذا الكائن الذي يقسم بأغرب الأشياء ويغار في النبل، ويسرع إلى الشجار حباً في الشجاعة، لكنه في النهاية يقف في فم المدفع باحثاً عن وهم كبير أسماه البرغوثي في ترجمته" السمعة الفقّاعة".
إنها خلاصة عبثية الحروب؛ دماء تُسفك من أجل فقاعات تنفجر في الهواء.
وحتى العدالة لا تنجو من مقصلة السخرية، فقاضي العدل يظهر في دوره الخامس منتفخا بالغرور، يوزع النكات والحكم المحفوظة، متوهما أنه يمتلك الحقيقة المفرطة.
لكن الستارة تقترب من النزول، وتبدأ مرحلة الانهيار، ليصل الإنسان إلى الكهولة، ويصبح عجوزاً واهناً، بنظارته التي تنزلق على أنفه، وصوته العميق الذي يعود تدريجياً ليصبح كصوت الأطفال.
في نهاية المطاف، يدعونا المشهد الأخير للإطراق والتأمل؛ فتاريخنا الغريب والمليء بالأحداث، وحروبنا ومنافينا وعدالتنا المزعومة، كل ذلك يتبخر، ويعود الإنسان إلى طفولة ثانية ومحض نسيان.
وكأن حياة الحكيم في الختام تتساوى تدريجياً مع المهرج، ويتساوى الجندي والملك، وبين القاضي والمنفي، فالجميع يغادر المسرح بلا سن ولا أذنين ولا عينين، بل لا شيء على الإطلاق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك