الرعب من إبداء أي وجهة نظر أمام والدتي كان السبب الأقوى لأكتشف أن لدي لسانًا آخر! كنت أقرأ كثيرًا ولم يخطر ببالي أني قادر على الكتابة بشكل جيد أو حتى متواضع! كانت المنطقة رمادية تمامًا بالنسبة إليّ.
فالغضب من غياب الحوار في المنزل كان يذوب في الحكايات الخيالية التي أخترعها وأعيشها وفي الأصدقاء الوهميين الذين أثرثر معهم بغزارة وأنسى معهم قسوة الوقت.
يومًا من الأيام انهارت سدود الحكايات الخيالية أمام سيول الغضب الجارفة.
فقد تلقّيتُ للتو تقريعًا وتعنيفًا ووعيدًا منها بالنار في الدنيا والآخرة! فانصبّت حِمَمُ الكلمات في عقلي وروحي وعروقي وسمعتُ ألف لسان يصرخ ويرد ويُوجِع ويُفحِم.
هنا كان انفجار الحبر على الورق.
لا أبالغ حينما أقول إني كتبتُ وكتبتُ دون وعي بالكتابة.
كتبتُ ألف صوت هادر في داخلي وأنا أتحدّث معهم.
لم أنتبه أني أكتب! إلا حينما انتهيت.
هنا كانت الدهشة المُركَّبة! مزيج من الحزن الدفين على المعاني النازفة على الصفحات، مع الكثير من الفخر والتشكيك بكاتب هذه السطور.
هل هو أنا؟ أم تدفّق الأصوات الكثيرة التي أخرجت الصداع من رأسي قبل أن يقتلني، وحوّلته إلى حروف عربية فصيحة!لم تلق الدهشة الجميلة مكانًا لها في المنزل.
الكل اتفق على التقليل من شأني وشأن قلمي وشأن أي فكرة لا تتطابق مع المنزل! هنا جاء دور بعض المعارف الذين أخبروني بدهشتهم.
لم أصدقهم! فبدأت أستخدم البريد لمراسلة العديد من الجهات لأحصل منهم على شهادة تؤكّد أني كاتب هذه السطور! وأن دور العفاريت كان ثانويًا.
هَدَأت الأصوات في رأسي عندما انتظم نومها على وسائد الكلمات، بكل المعاني والأطياف والاتجاهات والمواضيع، إلا أن فهم روعة المرأة وجمالية حضورها في حياة الرجل كان هو الموضوع الذي يتفرّع أكثر كلما انتهيتُ منه.
وكنت أتلذَّذُ بالضياع معه.
قصتي مع النشر عَكَسَت روح الكاتب المؤمن بأهمية كل حرف في بناء كلمته، وموضوعية كل كلمة في تأسيس فكرته، وصلابة القدرة على النقاش تجاه أي محاولة للتقليل من أهمية ما يكتب! كتبتُ في الكثير من المجلات والمواقع والمنصات وكنت حاضرًا على منابر مختلفة.
لكن ميزة الاستمرارية لم تكن حاضرة بسبب فرض الألوان.
والقيود الكريهة المُنفِّرة لأي قلم حر! لستُ أنا من يكتب كما تريد أنت.
أنا أكتب أصواتي الداخلية.
وأُعبِّر عن نوافذي الملوَّنة كما أشعر بها وأسمعها وأتذوّقها.
غير مكترث بما طُبِعَ في كُتيّب تعريف الألوان.
من كلمات بلاستيكية يُردِّدها القطيع! لذا كان وجود منبر يشبهني مهمة في غاية الأهمية والصعوبة.
وهنا وصلتُ إلى إيلاف.
ووصَلَت إليّ.
نتشابه في تمجيد العقل وعشق الكلمة والعناية بالفكرة، وتقدير مجهود التفكير البشري وتكريم الحوار الإنساني القائم على احترام الاختلاف، واعتباره مدرسة راقية نتعلّم فيها أسس الحضارة الحديثة.
في اليوبيل الفضي لأول يومية إلكترونية عربية، والتي صدرت في لندن في أيار (مايو) 2011، نفخر بوجود منبر حقيقي يعتني بالوعي العربي ويستطيع بكل عنفوان وإتقان، رسم لوحة فاتنة الألوان، تمنح لكل لون حقه، ولكل فكرة مساحتها لتتنفَّس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك