خرجت إيران من أسابيع الحرب وهي لا تواجه مجرد خسائر عسكرية أو ضغوط اقتصادية عابرة، بل تقف أمام مشهد داخلي أكثر تعقيداً: اقتصاد يترنح، مجتمع يزداد فقراً وغضباً، بنية تحتية أصابها الشلل، ومؤسسات تبدو أكثر ارتباكاً من أي وقت مضى.
لكن مراقبين يرون أن الأزمة الحقيقية لم تبدأ على الجبهات، بل من داخل دوائر القرار نفسها، حيث اتسعت الفجوة بين مراكز النفوذ وتداخلت الحسابات السياسية والعسكرية على حساب الدولة والمواطن.
ويرى متابعون أن ما يحدث داخل إيران يكشف أولويات سلطة بدت منشغلة بإدارة النفوذ والصراعات أكثر من انشغالها بأوضاع الإيرانيين المعيشية، في وقت تتسع فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بصورة غير مسبوقة.
وتبدو الأرقام أكثر قسوة من أي خطاب رسمي.
فقد قدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن التصعيد قد يخفض نمو الناتج المحلي الحقيقي في إيران بما يتراوح بين 8.
8 و10.
4 نقطة مئوية مقارنة بسيناريو عدم الحرب، وأن يدفع ما بين 3.
5 و4.
1 مليون إيراني إضافي نحو الفقر، فوق واقع سابق كان يعيش فيه 36.
3 بالمئة من السكان، أي نحو 32.
7 مليون شخص، تحت خط 8.
3 دولارات يومياً.
أما في الشارع الإيراني، فلم يعد الانهيار مجرد مؤشرات في تقارير دولية.
فقد هبط الريال إلى مستوى قياسي بلغ 1,810,000 ريال مقابل الدولار، متراجعاً بنحو 15 بالمئة خلال يومين فقط، بينما بلغ التضخم السنوي 65.
8 بالمئة، بعد عام فقدت خلاله العملة الإيرانية نحو 70 بالمئة من قيمتها.
هذه ليست أزمة سعر صرف فقط، بل أزمة ثقة وانهيار في قدرة المواطن على الصمود، حين يصبح الراتب قيمة تتآكل قبل وصوله إلى السوق، بينما تتزايد الفجوة بين أولويات السلطة واحتياجات الناس.
وفي تقدير عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية مهدي عقبائي، فإن ما تمر به إيران اليوم هو نتيجة سنوات من السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أخفق النظام في إدارتها، مشيراً إلى أن الحرب والإنفاق العسكري المتصاعد فاقما من حجم الأزمة بينما تحمل المواطن الإيراني العبء الأكبر.
لكن مراقبين يذهبون أبعد من ذلك، معتبرين أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بخيارات اقتصادية خاطئة، بل أيضاً بحالة ارتباك داخل بنية القرار نفسها، حيث تبدو مراكز النفوذ أكثر انشغالاً بإعادة ترتيب مواقعها من معالجة الانهيار الداخلي.
وفي ظل ما يوصف بغياب مركز قيادة واضح وحاسم، تتزايد تساؤلات داخل الأوساط السياسية بشأن طبيعة إدارة الملفات الحساسة، وسط تقديرات بأن المؤسسة العسكرية، وفي مقدمتها الحرس الثوري، باتت تتحرك بهامش نفوذ واسع وغير مسبوق.
ويرى منتقدون أن هذا الواقع خلق حالة من تضخم النفوذ الأمني والعسكري، حيث أصبحت حسابات القوة والمواجهة تتقدم على أولويات الداخل الإيراني، بينما يبقى المواطن العادي الطرف الأكثر تضرراً.
وبحسب هؤلاء، فإن المشكلة لم تعد فقط في حجم نفوذ الحرس الثوري، بل في غياب آليات رقابة ومحاسبة واضحة داخل منظومة القرار، الأمر الذي سمح بتوسع دور المؤسسات العسكرية والأمنية في رسم السياسات الداخلية والخارجية.
وفي وقت تتحدث فيه طهران عن الحفاظ على صورتها وموقعها الإقليمي، يرى منتقدون أن النظام أبدى اهتماماً أكبر بالحفاظ على “ماء الوجه” السياسي من اهتمامه بمعالجة الانهيار الداخلي المتسارع.
ويشير مراقبون إلى أن استمرار هذا النهج أدى إلى استنزاف طويل الأمد داخل الدولة، انعكس في احتجاجات متكررة وضغوط اجتماعية واقتصادية متزايدة، بينما بدا الداخل الإيراني وكأنه رهينة لحسابات السلطة وصراعات النفوذ.
واليوم، لا يرى كثيرون أن إيران تواجه فقط آثار حرب أو أزمة اقتصادية، بل تداعيات قرار داخلي مضطرب جعل التوسع والمواجهة أولوية، بينما تُرك ملايين الإيرانيين وحدهم لدفع الفاتورة.
ففي نهاية المطاف، لم تكن الخسارة فقط في منشآت تضررت أو أرقام اقتصادية انهارت، بل في تآكل الثقة، وتراجع قدرة الدولة على الاستجابة لمواطنيها، واتساع الشعور بأن الناس باتوا آخر من يُؤخذ مصيرهم في الحسبان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك