في قلب المنامة، وعلى الإطلالة الساحرة على واجهة البحرين الحضارية، يمارس معهد الإدارة العامة (بيبا) دورًا وطنيًّا هادئًا لكنه عميق الأثر.
تأسس المعهد بموجب المرسوم الملكي رقم (65) لسنة 2006، الصادر عن ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، ليكون الذراع الرسمية لتأهيل الكوادر الوطنية وتطوير العمل الإداري في القطاعين العام والخاص، انسجامًا مع توجّه برنامج الحكومة (2023 – 2026) نحو خلق المزيد من الفرص النوعية للمواطنين والاستثمار في تنمية الكوادر الوطنية.
يرأس مجلس الإدارة الشيخ خالد بن عبدالله آل خليفة نائب رئيس مجلس الوزراء، وتقود العمل التنفيذي د.
الشيخة رنا بنت عيسى بن دعيج آل خليفة المدير العام للمعهد.
ويعمل المعهد وفق استراتيجيته الجديدة (2024 – 2028) التي أطلقها برؤية التحول إلى “مركزٍ للفكر القيادي والتنمية الإدارية”، ويترجم ذلك عبر خدمات متكاملة تشمل التدريب والبحث والاستشارات والتقييم والإرشاد المهني، إضافة إلى شهادات معتمدة في القيادة والإدارة وغيرها من العلوم الرافدة لتطوير العمل الإداري.
وقد عزّز مكانته باعتمادات نوعية وطنية وعالمية.
غير أن الأرقام والاعتمادات، على أهميتها، لا تروي القصة كاملةً، فمن عاش تجربة التدريب في “بيبا” يدرك أن سرّ تميّزه يكمن في جانبه الإنساني؛ إذْ لم يكتفِ المدربون بنقل المحتوى العلمي، بل فتحوا خزائن تجاربهم الشخصية يحدّثون عن مواقف عاشوها وقرارات صعبة اتخذوها ودروسٍ تعلّموها قبل أن يُعلّموها.
وحين يُقدَّم العلم بهذا الدفء الإنساني، فإنه يبلغ القلب قبل العقل، ويبقى أثره حاضرًا في الممارسة اليومية.
والشكر موصول لجميع المدربين على جهودهم، وأتذكّر منهم خالد العيد، ومهند النعيمي، والمهندس عمر العيسى.
ويكتمل المشهد بثراءٍ يأتي من المتدربين أنفسهم، فالقاعات جمعت كوادر وطنية من وزارات وهيئات متنوعة، تحوّل معها التدريب إلى مختبر إداري حيّ، فصار البرنامج منصة وطنية لتبادل الخبرات.
ويبقى الفارق الأعمق هو الروح البحرينية بأصالتها وثقافتها التي تسري في تفاصيل التجربة.
فحين يكون المنظِّم بحرينياً، والمدرّب بحرينياً، والمتدرّب بحرينياً، وتنبع المادة العلمية والخبرات والنجاحات والأفكار المبتكرة من واقع المواطن البحريني وهمومه وطموحاته، يتحقق ذلك الانسجام الذي لا تصنعه البرامج المستوردة مهما بلغت جودتها.
فالأصالة البحرينية الممزوجة بالانفتاح والمعرفة، هي رهاننا الحقيقي على نجاحٍ يشبهنا وتطوّرٍ ينبع من هويتنا.
ومع ذلك، يراودنا كما يراود غيرنا سؤالٌ مشروع: لماذا، رغم كل هذه الجهود، لا تزال تطفو بين الحين والآخر نماذج إدارية قليلة خارجة عن أُطر القيادة العلمية والإنسانية التي يرسّخها المعهد بجهود جبّارة؟ولعلّ الإجابة تقودنا إلى التفكير في تطوير منظومة التقييم ذاتها في جهات العمل لتكون مساندةً لما يقدمه المعهد من تدريب، بحيث يمتد التقييمُ التقليدي للقيادات إلى نظام عكسيّ يرصد أثر القائد في موظفيه وبيئته بعد التدريب، ويُصغي لصوت من يعملون تحت إدارته.
بل ربما حان الوقت لابتكار أدوات جديدة تقيس استدامة الأثر، لنحصد ثمار ترجمة المُثُل والأخلاقيات والأسس الإدارية إلى ممارسة فعلية.
إنّ النجاحات الملموسة لا تنفكّ عن بيئات عمل آمنة وصحية، ولا يمكن الرهان على إحداهما دون الأخرى.
إن مستقبل البحرين الذي نطمح إليه يقوم على معادلة متكاملة: علمٌ راسخ، وإنسانيةٌ حاضرة، وبيئةٌ تحتضن الإبداع.
وهنا تحديدًا يتسع دور “بيبا”، ليكون لا مُدرِّبًا فحسب، بل شريكًا في إعادة تعريف ما نعنيه حقاً بالقيادة والتطوير الإداري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك