تصاعدت التوترات بين الولايات المتحدة وكوبا هذا الأسبوع بصورة غير مسبوقة، فقد وصلت حاملة الطائرات الأميركية" نيميتز" إلى منطقة الكاريبي في ظل تهديدات الرئيس دونالد ترمب بغزو الجزيرة، تزامناً مع توجيه وزارة العدل الأميركية تهمة القتل إلى الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو من بين تهم أخرى تتعلق بإسقاط طائرتين مدنيتين صغيرتين فوق المياه الدولية عام 1996، وترافق ذلك مع تحذير مسؤول أميركي من أن أسطول الطائرات المسيرة الكوبية يشكل خطراً على الأمن القومي الأميركي، مما يؤجج التكهنات بأن إدارة ترمب تهيئ كثيراً من الذرائع لعمل عسكري ضد النظام الشيوعي، على غرار اعتقالها الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو في يناير (كانون الثاني) الماضي، فهل حان موعد الغزو الأميركي لكوبا الذي امتنعت عنه واشنطن عقوداً طويلة؟ ولماذا ظلت أميركا مهووسة دائماً بالسيطرة على جارتها الجنوبية؟ وما الفوائد التي تحققها إدارة ترمب إن فعلت ذلك الآن؟منذ أن نجحت القوات الخاصة الأميركية في إزاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من السلطة في الثالث من يناير الماضي تزايدت التكهنات بأن كوبا قد تكون الهدف التالي لإدارة ترمب، ففي بداية هذا الشهر أوضح الرئيس الأميركي خلال خطاب ألقاه في فلوريدا أن الولايات المتحدة ستستولي على كوبا فوراً، وفي طريق العودة من إيران ستمر حاملة الطائرات الأميركية" أبراهام لينكولن" قرب كوبا، وتتوقف على بعد نحو 100 ياردة (91.
44 متر) من الشاطئ، متوقعاً استسلام الكوبيين.
كان من الصعب تصور أن هذه التصريحات مجرد تهديدات جوفاء، أو كلام فارغ، فبينما حاول البيت الأبيض منذ يناير إجبار السلطات الكوبية على تقديم تنازلات سياسية واقتصادية عبر التفاوض، من خلال حصار نفطي فعلي، وتزايد إحباط ترمب من قدرة الحكومة الكوبية على الصمود لأشهر تحت ضغط أميركي متواصل، نفذ الجيش الأميركي عشرات الطلعات الجوية لجمع المعلومات الاستخباراتية قبالة سواحلها في الأسابيع الأخيرة، مما يشير إلى تمهيد لغزو محتمل.
غير أن توجيه وزارة العدل الأميركية عبر المحكمة الفيدرالية في ميامي اتهامات إلى راؤول كاسترو، الرئيس الكوبي السابق (94 سنة)، بتهمة القتل والتآمر لقتل مواطنين أميركيين، على خلفية حادثة إسقاط طائرتين قبل 30 عاماً، مثل تصعيداً غير مسبوق لحملة الضغط المتعددة الأوجه التي تشنها إدارة ترمب ضد الحكومة الشيوعية في كوبا، في وقت يسعى فيه الرئيس ترمب إلى إسقاطها.
وعلى رغم الصلاحيات الواسعة لنظام العدالة الجنائية الأميركي، الذي قد يعرض كاسترو إلى عقوبة قصوى تصل إلى السجن المؤبد، فإن هذا الإجراء القانوني أثار احتمال أن تكون الولايات المتحدة تمهد الطريق لقواتها العسكرية لإخراجه من البلاد عبر آلية مشابهة لتلك التي استخدمتها قوات العمليات الخاصة الأميركية، إذ استندت إلى لائحة اتهام ضد الرئيس الفنزويلي السابق، لاقتحام كاراكاس في عملية جريئة قبل خمسة أشهر والقبض عليه، بخاصة أن القائم بأعمال وزير العدل (المدعي العام) تود بلانش توقع أن يمثل كاسترو أمام المحاكم الأميركية في نهاية المطاف، سواء بإرادته أو بطريقة أخرى على رغم أنه من غير المرجح أن يسلمه الكوبيون.
على مدى الأعوام الـ30 التي انقضت منذ إسقاط الطائرتين طالب مشرعون كوبيون - أميركيون، ونشطاء منفيون، وناجون من الحادثة، وأفراد من عائلات الضحايا، بمحاكمة جنائية لكاسترو، الذي كان وزيراً للدفاع آنذاك، لكن بلانش لم يوضح سبب توجيه الاتهام في القضية الآن الذي يتزامن مع عيد استقلال كوبا، والذي يحيي ذكرى انتهاء الاحتلال العسكري الأميركي للجزيرة عام 1902، مما يثير هواجس واسعة حول مغزى التوقيت وأهدافه.
لم يمنع ذلك كثيراً من الكوبيين والأميركيين من أصل كوبي من التنبؤ بحماسة بنجاح عملية عسكرية أميركية محتملة قريباً أو الإصرار على ضرورة مثل هذا العمل، على رغم استعداد الحكومة الكوبية التفاوض مع إدارة ترمب في شأن بعض القضايا، كالهجرة، وتهريب المخدرات، وفرص الاستثمار للأميركيين من أصل كوبي.
وفي حين أكد ترمب للصحافيين أنه لن يكون هناك تصعيد أميركي ضد كوبا لأن الوضع هناك ينهار تلقائياً بسبب الحصار البحري على شحنات الوقود من أي دولة الذي أدى إلى انقطاع الكهرباء في البلاد، إلا أنه قال أيضاً إن كوبا تشغل بال إدارته، وهي تصريحات تزامنت مع تحذير أطلقه مسؤول أميركي عبر موقع" أكسيوس"، بأن أسطول الطائرات المسيرة الكوبية الذي تردد أنها حصلت عليه من روسيا أو الصين ويصل إلى نحو 300 طائرة يشكل خطراً على الأمن القومي الأميركي، على رغم نفي كوبا وجود طائرات مسيرة على أراضيها وعدت التحذير الأميركي ذريعة لعمل عسكري ضدها.
في الوقت نفسه دخلت حاملة الطائرات الأميركية" نيميتز" وسفنها الحربية المرافقة لها جنوب البحر الكاريبي، حيث من المتوقع أن تبقى هناك بضعة أيام في الأقل، وفقاً للقيادة الجنوبية للجيش الأميركي، التي نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي أن مجموعة حاملة الطائرات" نيميتز" الضاربة، أثبتت براعتها القتالية في جميع أنحاء العالم، ضامنة الاستقرار وحامية الديمقراطية من مضيق تايوان إلى غرب آسيا.
عبر بعض الجمهوريين عن دعمهم غزو الجزيرة، على غرار عملية مادورو، إذ طالب السيناتور الجمهوري عن ولاية فلوريدا ريك سكوت بعدم استبعاد أي خيار، مؤكداً ضرورة أن يحدث الشيء نفسه الذي حدث لمادورو مع كاسترو.
وشجعت عضوة مجلس النواب الجمهورية عن ولاية فلوريدا ماريا إلفيرا سالازار الرئيس ترمب على غزو كوبا، وقالت في مؤتمر صحافي قبل صدور لائحة الاتهام المتوقعة لكاسترو، إن هذا هو ما يجب أن يحدث بالضبط، وهو ما يصب في مصلحة الولايات المتحدة، إذ لا يمكن السماح لمن وصفتهم باللصوص بإدارة الجزيرة بعد الآن.
تضافرت عملية الضغط العسكري والسياسي بعد أيام قليلة من لقاء مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، جون راتكليف، مسؤولين كوبيين في الجزيرة لمطالبتهم بوقف السماح لروسيا والصين بتشغيل مراكز استخباراتية على أراضيها، والتأكيد أن فترة المفاوضات مع واشنطن لن تكون مفتوحة إلى أجل غير مسمى، ووجه وزير الخارجية ماركو روبيو، وهو أميركي من أصل كوبي، رسالة نادرة باللغة الإسبانية إلى الشعب الكوبي، مؤيداً الحصار الأميركي للوقود عن الجزيرة، وملقياً باللوم في انقطاع التيار الكهربائي المتكرر على النظام الشيوعي الحالي.
منذ عودته إلى منصبه، لم يخف الرئيس ترمب رغبته في توسيع الأراضي الأميركية وإطاحة القادة اليساريين الذين لا يتوافقون مع التوجهات الأميركية، وبعد العملية العسكرية الناجحة في فنزويلا والجهود غير الناجحة حتى الآن للسيطرة على قناة بنما أو للاستحواذ على غرينلاند التابعة للدنمارك، أوضح ترمب أن كوبا هي هدفه التالي.
ويبدو أن تهديداته بالتدخل العسكري ضد كوبا مدفوعة باستراتيجية تغيير النظام بالقوة، والاستفادة من الانهيار الاقتصادي الحاد الذي تعانيه الجزيرة، وهي سياسة تتماشى مع استراتيجية الأمن القومي الأميركية التي كشف عنها نهاية العام الماضي وتستند إلى" مبدأ مونرو" في تحدي الخصوم وفرض الهيمنة الإقليمية، وطرد النفوذ الروسي والصيني من نصف الكرة الغربي، وهو ما أشار إليه البيت الأبيض من مخاوف تتعلق بالأمن القومي في شأن استضافة كوبا منشآت استخبارات إلكترونية خارجية لروسيا، وتوفير كوبا ملاذات آمنة لجهات فاعلة عابرة للحدود.
في هذا السياق، جاءت لائحة الاتهام الفيدرالية ضد الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو، بالتآمر والقتل في ما يتعلق بإسقاط طائرتين تابعتين لمنظمة" إخوان الإنقاذ" في ميامي عام 1996، لتعكس النهج القانوني المتبع في التدخل الفنزويلي، لبناء سردية لتدخل قسري محتمل، أو استغلال الضعف الاقتصادي للجزيرة من أجل إخضاع الحكومة الاشتراكية عبر تأجيج الاضطرابات الشعبية.
وهناك أيضاً فوائد سياسية للجمهوريين في أميركا، تتعلق بعمليات التصويت في الانتخابات الأميركية في ولاية فلوريدا حيث يوجد ما يقارب 800 ألف ناخب كوبي مسجل في الولاية غالبيتهم جمهوريون معادون للشيوعية في بلدهم الأم (كوبا)، مما يمثل أكبر مجموعة من الناخبين من أصول لاتينية في الولاية التي تضم ثلثي جميع الناخبين الكوبيين المؤهلين في الولايات المتحدة، ومن ثم يضمن اتخاذ موقف متشدد من إدارة ترمب تجاه كوبا دعماً قوياً من مجتمعات المنفيين الكوبيين والشتات الكوبي المؤثرة في فلوريدا، وهي كتلة تصويتية حاسمة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي.
ويبدو أن التدخل العسكري المتوقع لا يلاحظ فقط عبر الحديث عن المعارك أو البيانات السياسية، بل عبر الذكاء الاصطناعي، فعلى مدى أسابيع، امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي الكوبية ومجموعات" واتساب" بمنشورات خيالية عن التحرر من الحكم الشيوعي، مصممة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وفي بعض المقاطع والصور، تصور الجزيرة الكوبية على أنها أسيرة أو طفل يحرره حامي أميركي، وفي صور أخرى، تظهر مناظر مدن مجددة بطريقة تشمل تماثيل وصوراً نصبت تكريماً للرئيس ترمب، لتحل محل الرموز الثورية الشيوعية.
ربما يكون من السهل اعتبار هذه الرسوم والصور مجرد استفزاز إلكتروني، لكن لغتها البصرية تحاكي بصورة كبيرة الرسوم الكاريكاتيرية السياسية الأميركية الكلاسيكية خلال حرب كوبا الأخيرة من أجل الاستقلال عن إسبانيا في أواخر القرن الـ19، التي استخدمت لتبرير التدخل الأميركي في الشؤون الكوبية، عقوداً عدة، بحسب أستاذ التاريخ في جامعة" ميامي" مايكل بوستامانتي.
في تسعينيات القرن الـ19 صور رسامون أميركيون في صحف مثل" بوك" و" هاربرز ويكلي"، كوبا بصورة مماثلة كضحية مستضعفة معرضة للخطر، وغالباً ما كانت تصنف عرقياً على أنها غير بيضاء، وغير قادرة على نيل حريتها بمفردها، ولم تكن هذه الصور النمطية بريئة، فقد أسهمت الأحداث حينذاك في تشكيل الإجماع الثقافي الذي شرع التدخل الأميركي في الحرب الكوبية عام 1898، والمعروفة لدى معظم الأميركيين بالحرب الإسبانية - الأميركية.
وأسهمت في صياغة النظام الكوبي ما بعد الحرب الذي دام أربعة أعوام من الاحتلال العسكري الأميركي، تمت خلالها إضافة تعديل فرض على أول دستور لكوبا بما يجيز أي عمل عسكري أميركي مستقبلي للحفاظ على الاستقرار، مما أدى إلى عقود من التبعية السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة.
وانطلاقاً من أبطال الكفاح من أجل الاستقلال، مثل خوسيه مارتي، نما لدى كثير من الكوبيين استياء من هذه العلاقة غير المتكافئة مع الشمال، حتى مع انجذابهم للمنتجات الاستهلاكية الأميركية المستوردة والأنشطة الثقافية، وبحلول ثلاثينيات وأربعينيات القرن الـ20، سعت جميع الحركات السياسية الرئيسة في الجزيرة، إلى إعادة التوازن مع النفوذ الأميركي على الحياة الكوبية، لكن تقاعسهم عن ذلك، دفع بثورة فيدل كاسترو القومية الراديكالية إلى السلطة عام 1959.
لكن اليوم، تشير استطلاعات الرأي الرسمية وغير الرسمية إلى أن أعداداً كبيرة من الكوبيين والأميركيين من أصل كوبي يبدون مستعدين للترحيب، أو في الأقل التسامح، مع التدخل الأميركي الصريح الذي رفضه معظم أسلافهم.
ولا يبدو أن التعبيرات التي تولدها برامج الذكاء الاصطناعي عن هذه الآراء صادرة فقط عن الشتات الكوبي المناهضين للشيوعية بشدة في جنوب فلوريدا، إذ تشير التعليقات وإعادة النشر إلى أنها تلقى صدى بين الكوبيين المقيمين في الجزيرة، الذين يتوق كثر منهم إلى أي شيء من شأنه إنهاء انقطاع التيار الكهربائي المتفاقم، والنقص الحاد في السلع، والشلل الاجتماعي الذي جعل الحياة اليومية أشبه بالجحيم.
يفسر عمق محنة كوبا اليوم سبب انتشار هذه الصور على نطاق واسع، فقبل وقت طويل من قطع إدارة ترمب إمدادات النفط، كان الكوبيون يعانون أسوأ أزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية منذ ثلاثة عقود، وأدت جهود الإصلاح الداخلي الفاشلة، وقمع المعارضة، والهجرة الجماعية إلى تآكل عميق في ثقة الشعب بقيادة الحزب الشيوعي الكوبي ومؤسساته في الأعوام الأخيرة، وتجلى هذا الأمر بوضوح منذ أن تضرر اقتصاد الجزيرة، الذي يعتمد بصورة كبيرة على السياحة، جراء جائحة" كوفيد-19"، حيث هزت الاحتجاجات الجماهيرية التي اندلعت عام 2021 أكثر من 50 مدينة وبلدة.
وبالطبع، لا يزال كثير من الناس في كوبا يحملون نظام العقوبات الأميركية الطويل الأمد، والإضافات غير المسبوقة التي أدخلها ترمب عليه، مسؤولية كثير من مشكلاتهم، ولا يرغب الجميع في قبول التغيير مهما كان الثمن، لكن دفاع المسؤولين الكوبيين عن السيادة الوطنية في مواجهة التهديدات الأميركية المتزايدة يبدو أجوف بشكل متزايد، إذ لم تشهد كوبا انتخابات تنافسية حقيقية منذ ما يقارب 80 عاماً، وهي محكومة بنظام الحزب الواحد منذ 65 عاماً.
في ظل هذه الظروف لا يقوم الاستقلال السياسي على رضا المحكومين، ويصعب على أي دولة أن تدعي السيادة عندما يعتمد اقتصادها بصورة كبيرة على داعمين خارجيين، مثل روسيا والصين وفنزويلا (حتى يناير الماضي) وحتى الولايات المتحدة حيث يرسل الكوبيون الأميركيون مئات الملايين من الدولارات سنوياً على شكل تحويلات مالية ومواد غذائية وأدوية وسلع أخرى على رغم الحصار.
مع أن إغراء الإنقاذ بترسيخ فكرة التدخل العسكري الأميركي يبدو مفهوماً، إلا أنه يثير قلقاً بالغاً لدى كل من يهتم بمستقبل كوبا، لأن الذكاء الاصطناعي يقدم رؤى للتحرر من دون أن يطالب الكوبيين بمواجهة المعضلات الأكثر صعوبة التي ينطوي عليها أي انتقال حقيقي للسلطة، وتشمل هذه المعضلات كيفية إعادة بناء المؤسسات، واستعادة الثقة، ومواجهة عدم المساواة، وإعادة هيكلة الاقتصاد، وتحقيق المصالحة، والتفاوض في شأن الرؤى السياسية المتنافسة بعد عقود من الاستقطاب والاستبداد.
أدى اليأس المستمر، إلى جانب رفض السلطات المستميت فتح النظامين السياسي والاقتصادي للجزيرة، إلى تضييق آفاق بعض الكوبيين السياسية إلى درجة أنهم يوكلون مهمة إنقاذهم إلى جهات خارجية بدلاً من دفع هذا الخلاص من القاعدة الشعبية إلى القمة.
لكن تغيير الوضع في كوبا لن يكون سهل المنال على ما يبدو، فبعد مقابلة أجرتها الصحافية الأميركية كريستين ويلكر مع الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل الشهر الماضي، بدا أنها أدركت ألا شيء يثير حفيظة الكوبيين أكثر من فكرة أن تملي الولايات المتحدة على الحكومة الكوبية من يقودها، وماذا تفعل، وكيف تدير شؤونها، لأن ذلك يشكك في جوهر سيادة البلاد.
وعلى رغم أن كوبا لا تستطيع هزيمة الولايات المتحدة في حرب عسكرية تقليدية مفتوحة نظراً إلى الفارق الهائل في التكنولوجيا والتمويل والموارد والأسلحة العتيقة التي تعود إلى عهد الاتحاد السوفياتي، فإنه يمكن للقوات المسلحة الكوبية المكونة من 49 ألف جندي، مدعومين بنحو 39 ألف جندي احتياط وشبكة دفاع شبه عسكرية ضخمة تضم أكثر من مليون عضو، أن تشكل تحدياً غير متكافئ للقوات الأميركية، وأن تطيل أمد الصراع بفضل استعداداتها الدفاعية المكثفة، وقربها الجغرافي من الأراضي الأميركية في فلوريدا، وحشدها عدداً كبيراً من السكان المدنيين.
ومع ذلك، يعود هوس الولايات المتحدة بالسيطرة على كوبا والتأثير فيها وإجبارها، إلى ما قبل عهد ترمب، بل ويسبق حتى الحرب الباردة، فقد عبر الرئيس الأميركي تيودور روزفلت عام 1906 عن غضبه الشديد من تلك الجمهورية الكوبية الصغيرة التي وصفها بأنها لعينة، لدرجة أنه كان راغباً في محو شعبها من على وجه الأرض.
وبينما سعت" عقيدة مونرو" لعام 1823 إلى ترسيخ الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي، كانت كوبا محط اهتمام واشنطن بصورة خاصة.
منذ اللحظة التي أعلنت فيها المستعمرات الأميركية الـ13 استقلالها عن بريطانيا، افترض الأميركيون أن كوبا ستصبح جزءاً من الاتحاد، فقد سعت الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى شراء كوبا أو ضمها أو السيطرة عليها بأي شكل من الأشكال، مدعية أن ذلك أمر لا مفر منه بحكم قوانين الجاذبية والجغرافيا، وفقاً لديبورا شنوكال، الباحثة في قسم دراسات أميركا اللاتينية في جامعة" ملبورن".
عندما انتصر الكوبيون في نهاية المطاف على مستعمريهم الإسبان عام 1898 تدخلت الولايات المتحدة واحتلت الجزيرة لإحباط استقلالها، وجادل حاكم كوبا الأميركي، ليونارد وود، بأن الكوبيين الذين كان ثلثهم في الأقل من العبيد السابقين أو من ذوي الأصول المختلطة، لم يكونوا مستعدين للحكم الذاتي، إذ لم ترغب الولايات المتحدة، بخاصة ملاك العبيد السابقون في الجنوب، في تكرار تجربة هايتي التي استولى العبيد فيها على زمام الأمور في جزيرتهم من الفرنسيين في ثورة عنيفة عام 1804، مرددين صدى صرخات الثورة الفرنسية المطالبة بالحرية والإخاء والمساواة.
انتهى الاحتلال العسكري الأميركي لكوبا عام 1902، وأعلنت كوبا استقلالها رسمياً وإن كان ذلك بشروط أتاحت للولايات المتحدة التدخل في المستقبل كلما رأت واشنطن أن الشعب الكوبي في حاجة إلى توجيه، وهو ما تكرر كثيراً.
وفي العقود اللاحقة توغلت المصالح التجارية الأميركية بعمق في جميع قطاعات الاقتصاد الكوبي، وفرضت نفوذاً كاملاً على الحكومات الكوبية.
على الصعيد الثقافي، سرعان ما أصبحت كوبا أميركية من خلال نظام تعليمي جديد على النمط الأميركي، كما ازداد الإقبال على السفر إلى الجزيرة، لدرجة أن دليل تيري السياحي الشهير طمأن الزوار الأميركيين في عشرينيات القرن الماضي بأنهم سيشعرون وكأنهم في وطنهم لأن آلاف الكوبيين يتصرفون ويفكرون ويتحدثون مثل الأميركيين أو أقرب إليهم.
غير أن كل هذا تغير تماماً مع صعود فيدل كاسترو، وخلال الثورة الكوبية، أعلن كاسترو في أبريل (نيسان) عام 1959 أن الحكومة الثورية ستعيد الثقافة الكوبية إلى كوبا، لكن الكوبيين استهانوا بكل ما هو كوبي بعدما أصبحوا متشبعين بنوع من عقدة النقص والشك الذاتي في مواجهة النفوذ الأميركي الهائل على ثقافة الجزيرة وسياستها واقتصادها.
أما بالنسبة إلى الأميركيين فقد بدت تصريحات كاسترو الصريحة، في أحسن الأحوال، تعبيراً عن نكران الجميل، وفي أسوأ الأحوال، إهانة، وكان صعود كاسترو صدمة مروعة للشعب الأميركي، فقد جلب هذا الرجل الشيوعية عملياً إلى شواطئ الولايات المتحدة بعدما كانت كوبا منتجعاً للأميركيين الذين كانوا يعتبرونها جزءاً من الولايات المتحدة، كما قال المذيع الأميركي والتر كرونكاي.
كان جوهر المشروع الثوري الكوبي هو تأكيد سيادة كوبا واستقلالها وهويتها الوطنية، وكان الدافع هو بناء أمة كوبية جديدة موحدة وعادلة اجتماعياً، كما تخيلها بطلها القومي وشاعرها خوسيه مارتي، لذا يبدو الأمر بالنسبة إلى الكوبيين أنه يتعلق بالتاريخ، أما بالنسبة إلى سكان أميركا الشمالية، فهو يتعلق بصورة الذات، فقد أقنعوا أنفسهم، بالغاية النبيلة التي استمدت منها الولايات المتحدة السلطة الأخلاقية لتولي زمام الأمور في كوبا كما يشير المؤرخ لويس بيريز.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك