عندما عُرض فيلم Citizen Kane لأول مرة في نيويورك عام 1941، لم يحقق النجاح المنتظر، بل بدا وكأنه تجربة سينمائية متعثرة أمام الجمهور والنقاد آنذاك.
لكن بعد أكثر من ثمانية عقود، تحوّل العمل إلى واحد من أكثر الأفلام تأثيراً في تاريخ السينما، بل ويعتبره كثيرون أعظم فيلم أُنتج على الإطلاق.
الفيلم الذي حمل توقيع المخرج والممثل العبقري Orson Welles وهو في الخامسة والعشرين فقط، يروي صعود وسقوط قطب الإعلام الخيالي تشارلز فوستر كين، الشخصية التي رأى كثيرون أنها مستوحاة مباشرة من إمبراطور الصحافة الأميركي William Randolph Hearst.
هذا التشابه أشعل حرباً حقيقية ضد الفيلم، بعدما شن هارست حملة شرسة لمحاربته والتقليل من شأنه فور صدوره.
وتبدأ أحداث الفيلم بكلمة غامضة ينطقها كين قبل وفاته: “روزبد”، لتنطلق بعدها رحلة صحفية تحاول فك أسرار تلك الكلمة وفهم حياة الرجل الذي امتلك السلطة والثروة وانتهى وحيداً داخل قصره الضخم “زانادو”.
ومن خلال سلسلة من الذكريات والاسترجاعات الزمنية، يكشف الفيلم تحولات كين من طفل يرث ثروة هائلة، إلى رجل يبني إمبراطورية إعلامية، قبل أن يتحول تدريجياً إلى شخصية قاسية ومهووسة بالسلطة.
كما يرصد الفيلم انهيار حياته العاطفية والسياسية، خاصة بعد علاقته بالمغنية سوزان ألكسندر، التي حاول تحويلها بالقوة إلى نجمة أوبرا رغم افتقارها للموهبة، في واحدة من أكثر الخطوط الدرامية مأساوية في العمل.
ورغم أن بعض المشاهد قد تبدو مألوفة لجمهور اليوم، فإن العودة ذهنياً إلى زمن إنتاج الفيلم تكشف حجم الثورة السينائية التي صنعها ويلز.
فقد قدّم أساليب إخراجية غير مسبوقة وقتها، مثل التصوير بالتركيز العميق، والزوايا البصرية الحادة، والانتقالات الزمنية المعقدة، إلى جانب السماح للممثلين بالتحدث فوق بعضهم البعض بصورة واقعية، وهي تقنية لم تكن شائعة في سينما الأربعينيات.
ومن أشهر مشاهد الفيلم لقطة مائدة الإفطار، التي تختصر انهيار زواج كين الأول عبر سنوات طويلة داخل مشهد واحد فقط، حيث تتغير الملابس وتعابير الوجوه ويزداد طول الطاولة تدريجياً، في تصوير بصري بديع لاتساع المسافة العاطفية بين الزوجين.
كما يُعد الفيلم نموذجاً مبكراً لما يعرف بـ«سينما المؤلف»، إذ شارك ويلز في كتابة السيناريو والإخراج والتمثيل والإشراف الفني، ليضع بصمته الكاملة على كل تفصيلة داخل العمل.
ورغم فشله التجاري عند صدوره، حصد الفيلم تسع ترشيحات لجوائز الأوسكار عام 1941، لكنه اكتفى بجائزة أفضل سيناريو أصلي التي تقاسمها ويلز مع الكاتب Herman J.
Mankiewicz.
ومع مرور السنوات، بدأت مكانة الفيلم تتعاظم تدريجياً، حتى تصدّر قائمة مجلة British Film Institute لأعظم أفلام التاريخ عدة مرات ضمن استطلاع “سايت أند ساوند”، قبل أن يتراجع لاحقاً إلى المركز الثالث خلف فيلم Vertigo للمخرج Alfred Hitchcock.
وفي عام 2020، أعادت منصة Netflix إحياء الجدل حول الفيلم عبر تقديم Mank، الذي تناول كواليس كتابة السيناريو والصراع بين ويلز والكاتب مانكيوز، في تأكيد جديد على أن “المواطن كين” لم يكن مجرد فيلم، بل لحظة مفصلية غيّرت لغة السينما إلى الأبد بحسب د.
ب.
ا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك