شهد مهرجان “كان” السينمائي لحظة لافتة مع العرض العالمي الأول للفيلم المغربي الطويل “الأحلى” للمخرجة ليلى المراكشي، ضمن القسم الرسمي “نظرة ما”، أحد أبرز الأقسام الموازية التي تحتفي بالأصوات السينمائية الجديدة والتجارب الفنية المختلفة داخل التظاهرة السينمائية الأشهر عالميا.
ورافق العرض حضور عدد من صناع السينما والنقاد والمنتجين من المغرب وأوروبا، في محطة اعتُبرت من أبرز لحظات الحضور المغربي والعربي في دورة هذا العام.
ويكتسي حضور “الأحلى” أهمية خاصة، باعتباره الفيلم العربي الوحيد المشارك ضمن الفعاليات الرسمية للمهرجان في هذه الدورة، وهو ما أعاد السينما المغربية إلى واجهة النقاش داخل “كان”، من خلال عمل يزاوج بين البعد الإنساني والقضايا الاجتماعية ذات الامتداد الدولي، في وقت يتزايد فيه اهتمام السينما العالمية بملفات الهجرة والعمل الهش والانتهاكات المرتبطة بالعمال الموسميين.
ويحمل عرض الفيلم أيضا دلالة رمزية في مسار مخرجته، إذ تعود ليلى المراكشي إلى منصة “كان” بعد أكثر من عقدين على مشاركتها الأولى بفيلم “ماروك” الذي عرض بدوره ضمن قسم “نظرة ما” سنة 2005، قبل أن تواصل تجربتها بأعمال سينمائية وتلفزيونية لاقت حضورا دوليا، من بينها فيلم روك القصبة ومشاركتها في إخراج المسلسل العالمي The Eddy.
وتبدو عودتها هذه المرة أكثر نضجا، من خلال عمل يذهب مباشرة نحو مناطق إنسانية شديدة الحساسية، بعيدا عن المعالجة السطحية أو الخطاب المباشر.
ويروي “الأحلى” قصة شابتين مغربيتين تغادران المغرب نحو جنوب إسبانيا للعمل في جني الفراولة بمنطقة هويلفا الأندلسية، مدفوعتين بحلم تحسين وضعيتهما الاجتماعية ومساعدة عائلتيهما.
غير أن الرحلة التي تبدأ بوعد “الفردوس الإسباني” تتحول تدريجيا إلى مواجهة قاسية مع واقع مختلف، تسوده ظروف العمل الشاقة والاستغلال وسوء المعاملة، داخل ضيعات فلاحية تعتمد على اليد العاملة الموسمية القادمة من الخارج.
ومن خلال هذه الحكاية، يفتح الفيلم نافذة على واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية حساسية في السنوات الأخيرة، والمتعلقة بعاملات الفراولة المغربيات في إسبانيا، وهي القضية التي أثارت في مناسبات عديدة نقاشا حقوقيا وإعلاميا واسعا، بسبب ما يرتبط بها من اتهامات بالاستغلال والتحرش والانتهاكات المهنية والإنسانية.
غير أن الفيلم لا يكتفي بإعادة سرد الوقائع، بل يحاول تحويلها إلى تجربة سينمائية إنسانية تنقل تفاصيل الحياة اليومية للعاملات، بكل ما تحمله من تعب وخوف وعزلة وانتظار.
وتتخذ الأحداث منحى تصاعديا مع تعرض العاملات لمضايقات وانتهاكات تدفع الشخصيتين الرئيسيتين، بدعم من محام، إلى اتخاذ قرار المواجهة ورفع دعاوى قضائية ضد أرباب العمل، في خطوة محفوفة بالمخاطر قد تهدد مصدر رزقهن ومستقبلهن.
ومن هنا، ينتقل الفيلم من مجرد رصد اجتماعي إلى دراما أخلاقية وإنسانية تطرح أسئلة العدالة والكرامة وحدود الصمت أمام الاستغلال.
ويبرز العمل مفارقة قوية يعكسها عنوانه “الأحلى”، الذي يحيل ظاهريا إلى حلاوة الفراولة التي تُقطف في الحقول الإسبانية، بينما يخفي وراءه واقعا قاسيا تعيشه العاملات في الخفاء.
وتمنح هذه المفارقة الفيلم بعدا رمزيا واضحا، حيث تتحول الفاكهة الحمراء التي تسوق في الأسواق الأوروبية إلى مرآة لعالم مليء بالتفاوتات الاجتماعية والهشاشة الإنسانية.
كما يمنح الفيلم مساحة واسعة للعلاقات الإنسانية التي تتشكل بين العاملات داخل الضيعات الزراعية، حيث تصبح الصداقة والتضامن وسيلتين لمواجهة العزلة والخوف، في بيئة يضاعف فيها حاجز اللغة والجهل بالقوانين المحلية من شعور النساء بالضعف.
ويبدو واضحا أن المخرجة اختارت الاقتراب من شخصياتها بهدوء، عبر التركيز على التفاصيل اليومية الصغيرة، أكثر من اعتماد الخطاب المباشر أو المشاهد الخطابية الثقيلة.
ويشارك في بطولة الفيلم عدد من الأسماء النسائية المغربية، تتقدمهن الممثلة هاجر كريكع إلى جانب نسرين الراضي وفاطمة عاطف وهند باريك، في عمل تم تصويره بين مدينة طنجة وعدد من المناطق الإسبانية، ضمن إنتاج دولي مشترك شارك فيه منتجون وموزعون من المغرب وفرنسا وبلجيكا وإسبانيا، بإشراف المنتج سعيد حميش.
ولم يصل “الأحلى” إلى منصة “كان” بشكل مفاجئ، بل جاء نتيجة مسار طويل من التطوير والإنتاج، إذ تم تقديم المشروع لأول مرة ضمن سوق الإنتاج المشترك لورشات الأطلس سنة 2021، قبل أن يعود مجددا إلى الدورة الثامنة والأخيرة من الورشات سنة 2025، حيث حصل على دعم في مرحلة ما بعد الإنتاج، في مؤشر على الثقة التي حظي بها المشروع داخل الأوساط السينمائية منذ مراحله الأولى.
ويعكس هذا الحضور أيضا التحول الذي تعرفه السينما المغربية خلال السنوات الأخيرة، من خلال انفتاحها المتزايد على القضايا العابرة للحدود، وقدرتها على تحويل ملفات اجتماعية معقدة إلى أعمال سينمائية ذات بعد إنساني عالمي، قادرة على الوصول إلى أكبر المهرجانات الدولية.
وفي هذا السياق، بدا عرض “الأحلى” في “كان” بمثابة تتويج لمسار طويل من الاشتغال الفني والإنتاجي، ورسالة جديدة تؤكد أن السينما المغربية باتت أكثر حضورا في النقاشات السينمائية الكبرى، ليس فقط كضيف عابر، بل كصوت يحمل قضاياه وأسئلته الخاصة إلى الشاشة العالمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك