فقد انتُخب الجميِّل رئيسا في 14 أغسطس/آب 1982، رغم اعتراضات فصائل لبنانية واسعة عليه، لأنه كان قريبا جدا من إسرائيل، وكان مستعدا للتنازل عن أجزاء من لبنان لتحقيق طموحات مارونية، وفق ما قاله الزعيم الدرزي وليد جنبلاط.
وحسب ما قاله جنبلاط في شهادته على العصر مع أحمد منصور، فقد مشى الجميَّل -الذي اغتيل في 24 سبتمبر/أيلول من العام نفسه قبل تسلم مهام منصبه- في طريق الأمريكيين الذين دعموا وصوله للرئاسة.
list 1 of 3جيميناي أومني: هل يصبح المونتاج محادثة مع الذكاء الاصطناعي؟list 2 of 3التنمية في اللاذقية.
تحديات وآفاقlist 3 of 3ماني وكوليبالي يتصدران قائمة السنغال لكأس العالم 2026وكان الجميِّل رجلا قويا توحد حوله كثير من المارونيين سلما وقتالا، حتى إن الجبهة المارونية اجتمعت في 5 مايو/أيار 1982، وقالت" إن خلاص الموارنة بعد 400 سنة من القهر، لن يكون ممكنا إلا تحت قيادته"، وفق ما قاله جنبلاط.
وفي ذلك الوقت، حاولت اللجنة السداسية من الرئيس اللبناني المنتهية ولايته إلياس سركيس، الذي دعم بشير الجميل عند العرب بقوة، الحصول على تعهد من الأخير بقطع علاقته مع إسرائيل، لكن جنبلاط يقول إنه" لا يذكر إن كان قد تعهد بهذا أم لا".
وكانت تضم وزراء خارجية عرب آنذاك بينهم: الشيخ صباح الأحمد الصباح (الكويت)، وسعود الفيصل (السعودية)، وعبد الحليم خدام (سوريا)، والشاذلي القليبي الأمين العام الأسبق للجامعة العربية.
وعن سبب خوف الدروز وغيرهم من وصول الجميل للرئاسة في لبنان، قال جنبلاط إنهم لم يكونوا يعرفونه ويخافون ما وصفها بمطامعه في جبل لبنان، وهو ما حدا بهم لمحاولة تأخير وصوله للحكم، لكن المعادلة رست لصالحه عندما اجتاح الإسرائيليون لبنان في 6 يونيو/حزيران 1982.
ومن بين الأمور التي كانت تخيف جنبلاط أنه" سمع أن بشير الجميِّل عرض انسحاب السوريين من لبنان مقابل منحهم جزءا من جبل لبنان الذي يصل جنوبا إلى فلسطين المحتلة".
ففي ذلك الوقت، كان شعار تقسيم لبنان على أساس فيدرالي استنادا إلى فكرة التعددية الحضارية للبنانيين، وهو أمر يرى جنبلاط أنه" ما يزال قائما، بل إنه ربما يحدث على مستوى المنطقة التي بدأت التفكك من العراق إلى سوريا"، مضيفا أن" الهلال الخصيب (العراق، الأردن، فلسطين، سوريا، لبنان) عرضة للتفكك بشكل أكبر".
لذلك، كان الجميع متخوفا من وصول بشير جميل للرئاسة تفاديا للحرب الأهلية التي وقعت في نهاية المطاف، حسب جنبلاط، الذي قال إن المبعوث الأمريكي آنذاك فيليب حبيب زاره عام 1981 في بيته وأبلغه بأن إسرائيل لن تجتاح لبنان إذا أوقفت منظمة التحرير الفلسطينية هجماتها.
ورغم التزام منظمة التحرير بهذا الاتفاق لتجنيب لبنان الاجتياح، فقد تذرع الإسرائيليون بمحاولة اغتيال سفيرهم في بريطانيا آنذاك، عن طريق العراقيين، وقرروا اجتياح لبنان لأنهم خططوا له مسبقا وكانوا ينتظرون الفرصة، حسب ما ذكره يزيد صايغ في كتابه" الكفاح المسلح والبحث عن الدولة".
وفي ذلك الوقت، كان الاعتقاد السائد بأن إسرائيل ستصل إلى 40 كيلومترا في العمق، فانسحبت كل القوات التي كانت متواجدة في الجنوب لما بعد هذه المسافة، لكن الإسرائيليين اجتاحوا كل شيء وصولا إلى العاصمة بيروت التي وقفوا على مشارفها يوم 9 يونيو/حزيران 1982.
وبعد 4 أيام، حاصر الإسرائيليون بيروت بالتعاون مع ميليشيات الموارنة التابعة لبشير الجميل، لكن الفلسطينيين والقوات اللبنانية الداعمة لهم، خاضت معارك عنيفة وخصوصا معركة المتحف التي قال جنبلاط إنها دليل على إمكانية إلحاق الهزيمة بإسرائيل في حال توفرت القوة والإرادة.
ويعتقد جنبلاط أن حربا أخرى كانت تجري داخل تلك الحرب باتفاق بين آرييل شارون وبشير الجميِّل لتمكين الأخير من جبل لبنان الخاضع للدروز.
وقال إن الجيش السوري" استمات ونجح في الدفاع عن منطقتي البديرج (وهي ممر إستراتيجي) والسلطان يعقوب (التي تصل للأراضي السورية)، وقد لعبت هاتان المنطقتان دورا مهما في الحرب لاحقا".
وخلال الاجتياح، لم يكن من السهل مقابلة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات -الذي كان يقود منظمة التحرير- بسبب سعي إسرائيل المستمر لاغتياله بغارات جوية، حتى إنه كان يسير وحيدا ذات مرة في شارع الحمراء بوسط بيروت، كما يقول جنبلاط للتدليل على خوف الجميع من الاقتراب منه.
وفي إحدى الغارات التي استهدفت عرفات، دمرت إسرائيل مبنى كاملا بجوار وزارة الإعلام اللبنانية بينما كانت مفاوضات وقف إطلاق النار جارية برعاية الولايات المتحدة، حسب الزعيم الدرزي، الذي أقر بأن الفصائل اللبنانية طلبت بالفعل من الزعيم الفلسطيني مغادرة لبنان الذي دفع الكثير من أجل فلسطين.
وفي اليوم الثالث من الاجتياح، دخلت قوة عسكرية إسرائيلية دار آل جنبلاط، وأوقفوا وليد ووالدته لساعات وفتشوا البيت وعاملوهم بطريقة مهينة، حسب روايته.
وبعد يوم أو اثنين من تلك الواقعة، فوجئ جنبلاط بشيمون بيريز، الذي أصبح رئيسا للوزراء لاحقا، يزوره في بيته ليؤكد له أن الاجتياح لن يصل إلى العاصمة بيروت.
وقد رفضت والدة جنبلاط استقبال بيريز في بيتها، ولم تقدم له حتى القهوة لأنه محتل، فخرج بعد ساعة تقربيا.
وفي وصفه لشيمون بيريز، يقول جنبلاط إنه" أسطورة كذب كبيرة صدقها الغرب وكان يستقبله كحمامة سلام، رغم أنه كان وراء أول مشروع نووي إسرائيلي في ديمونة".
واعترف جنبلاط بخروجه مرتين داخل سيارة السفير الأمريكي بلبنان آنذاك، وتحت حماية الجيش السوري.
وقال إن المرة الأولى كانت عندما تم إخراجه من الحصار الذي فرضه الإسرائيليون على بيته في جبل لبنان إلى بيروت، فيما كانت الثانية إلى العاصمة الأردنية عمان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك