في الوقت الذي تستعرض فيه موسكو أسلحتها النووية في إطار مناورات عسكرية علنية تهدف إلى ترهيب أوكرانيا وإثارة قلق حلفاء كييف، يأتي رد الناتو على شكل التواري تحت الأرض والاستهزاء بالدب الروسي.
إن المشاهد التي تُظهر مقراً بريطانياً لـ" فرقة الهجوم" التابعة للحلف، أي" فيلق الرد السريع المتحالف" والمقام بجوار خط جوبيلي في محطة تشارينغ كروس لإجراء مناورة عسكرية تهدف إلى صد القوات الروسية أثناء توغلها في دول البلطيق - من خلال مهاجمة قوات موسكو وتعطيل أنظمة اتصالاتها الإلكترونية – ليست سوى مشاهد خيالية.
وهو ما ينسحب أيضاً في الوقت الحالي على اعتقاد أن حلف الناتو يمتلك بالفعل ما يكفيه من المعدات لصد أي غزو روسي.
وبحسب اعتراف مصادر دفاعية مشاركة في عملية المحاكاة" أركيد سترايك" Operation Arrcade Strike، لا يمتلك الناتو ولا المملكة المتحدة ما يكفي من الطائرات المسيرة مقارنة بالعدد الذي يمكن للروس، نظرياً، أن يرسلوه إلى ساحة المعركة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ويهدف نظام القيادة والتحكم الذي يجري اختباره تحت الأرض - بمنأى عن أي هجمات جوية روسية محتملة - إلى توجيه عملية سحق روسيا في إطار سيناريو افتراضي تغزو فيه إستونيا.
والفكرة الرئيسة هنا هي استخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع" سلسلة القتل" (أي كافة مراحل الاستهداف العسكري)، وإحباط التقدم الروسي ثم دحره - تماماً كما فعلت أوكرانيا على مدى الأعوام الأربعة الماضية.
وتقول وزارة الدفاع البريطانية" تمكنت القوات من تلقي كميات كبيرة من البيانات في الوقت الفعلي، وترجمتها إلى صور مرئية بطرق جديدة ومبتكرة، ما مكن القادة من اتخاذ القرارات بوتيرة أسرع من قدرة الخصم على الرد".
وأضاف البيان" على رغم أن السيناريو خيالي، فإن القدرات الجاري اختبارها حقيقية، ويتم التدرب عليها لضمان قدرة قوات الناتو على الاستجابة بسرعة وانسجام وفاعلية".
ولكن ليس في أوروبا برمتها، ولا بين الدول الأعضاء في الناتو، ما يضاهي ما طورته أوكرانيا بالفعل لمواجهة التهديد المتزايد للطائرات الروسية المسيرة واستخدامها في ساحة المعركة.
ففي دول الناتو، كما أظهر التطوير البطيء للغاية لمركبة الاستطلاع المدرعة" أياكس" Ajax البريطانية، قد تستغرق العملية الكاملة من مرحلة التعاقد إلى مرحلة النشر أكثر من عقد من الزمن.
ومقارنةً بذلك، لدينا شركة" فاير بوينت" Fire Point في أوكرانيا - وهي واحدة من عشرات الشركات الأوكرانية التي انتقلت من نقطة الصفر إلى إنتاج ما يعادل صواريخ كروز وطائرات مسيرة بعيدة المدى وصواريخ اعتراضية صغيرة لإسقاط الأسلحة الروسية، في غضون عامين.
وتنتج شركة" جنرال تشيري" General Cherry، وهي شركة أخرى متخصصة في الطائرات المسيرة، الآلاف من هذه الطائرات يومياً.
وجميع شركات تصنيع الأسلحة الناشئة في أوكرانيا تقريباً تتلقى معلومات في الوقت الفعلي من مشغلي المسيرات على الخطوط الأمامية فتكيف أسلحتها لتتناسب مع التغيرات الميدانية في غضون دقائق وثوانٍ.
أما في حلف الناتو، فتستغرق مثل هذه العمليات أعواماً طويلة.
كانت أوكرانيا تنتج كميات هائلة من الدبابات والمدفعية والصواريخ لمصلحة الاتحاد السوفياتي عندما كانت تابعة لموسكو.
وبعد الاستقلال، أهملت صناعة الأسلحة لديها حتى انحسرت.
أظهرت الحروب الحديثة أن الدبابات الثقيلة التي تستخدمها روسيا، وخصومها في حلف الناتو، غير محصنة ضد الصواريخ الرخيصة والسريعة والموجهة عن بُعد" من منظور الشخص الأول" (الرؤية المباشرة) (FPV) والتي تعتمد على طائرات تجارية من دون طيار، طورها جنود المشاة في الخطوط الأمامية بدافع الضرورة واليأس.
أصبحت ساحات القتال الآن أعمق بكثير، وتخضع في كثير من الأحيان لمراقبة مكثفة، وتتطلب مقاربة مختلفة تماماً للتكتيكات على نطاق واسع لا يملك جنرالات الناتو أي خبرة فيها، وهم يدركون ذلك.
قال أليكسيس ج.
غرينكيويتش، الجنرال الأميركي والقائد الأعلى للحلفاء في أوروبا" أدى التطور السريع للأنظمة غير المأهولة، والتحديثات الفورية لبرمجيات ساحات القتال، والاستهداف القائم على البيانات إلى تقليص سلاسل القتل، وهو يعود بالفائدة على من يتعلم ويتكيف بسرعة أكبر".
في الوقت نفسه، تسود مخاوف بالغة داخل حلف الناتو من عدم وفاء المملكة المتحدة بالتزاماتها العملياتية تجاه الحلف، وتخلفها في الإنفاق الدفاعي، على رغم ادعاءات الحكومة بأنها تخصص مبالغ أكبر لخوض حرب هجينة مع روسيا بدأت بالفعل.
وقد استعرضت روسيا ترسانتها النووية التكتيكية القصيرة المدى في مناورات عسكرية في بيلاروس هذا الأسبوع، ولا تزال تتجسس على كابلات الاتصالات البحرية الأوروبية وكذلك منشآتها البرية.
وتواصل تنفيذ عمليات اغتيال وتخريب، مثل إضرام النيران في الإمدادات المخصصة لأوكرانيا.
وتشمل عملياتها في إطار القوة الناعمة تقويض الديمقراطية ومفهوم الحقيقة نفسه، لا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ونتيجة لذلك، يدعو الخبراء الحكومة البريطانية إلى تنظيم حملة وطنية أوسع لتعزيز القدرة على الصمود من أجل التصدي للهجمات التي تتعرض لها بالفعل، وتلك التي قد تتعرض لها في المستقبل.
قالت الدكتورة فيونا هيل، مستشارة البيت الأبيض السابقة لشؤون روسيا، في حديثها إلى صحيفة" اندبندنت" حديثاً إن" أنظمتنا في المملكة المتحدة غير مصممة للتعامل مع الاضطرابات الكبرى.
ويقع على عاتق القيادة وضع خطة، لأن الخطة الحالية لا تفي بالغرض".
وأظهر استطلاع رأي أجرته جامعة غلاسكو حديثاً أن ثلث الأشخاص فقط ممن تتراوح أعمارهم بين 16 و29 سنة مستعدون لحمل السلاح دفاعاً عن أوروبا.
ومن الواضح أن حلف الناتو يأمل في أن يؤدي تذكير البريطانيين بأنهم نجوا من حملات قصف المتواصلة على لندن والمعروفة بـ" البليتز" عبر الاحتماء في شبكة مترو الأنفاق إلى إنعاش الروح القتالية التي خفتت إلى حد بعيد.
لكن على المتطوعين التأكد من توافر ما يكفي من الأسلحة المناسبة.
وهذا ما لا يملكه الناتو في الوقت الحالي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك