رغم نجاح لقاحات الحصبة في الحد من انتشار المرض وخفض معدلات الوفيات حول العالم منذ بدء استعمالها عام 1963، فإنها لم تقضِ نهائيًا على الحصبة.
وقد ازدادت حالات الإصابة بالحصبة مؤخرًا في الولايات المتحدة والعالم.
فقد تم الإبلاغ عن أكثر من 470 ألف حالة إصابة بالحصبة على مستوى العالم في عام 2024، وسُجِّلت 72 حالة تفشٍّ على الأقل في الولايات المتحدة منذ يناير 2025.
ولم يتوفر حتى الآن علاج معتمد طبيًا آمن وفعّال يقضي على الفيروس بشكل مباشر.
وفي هذا السياق، نجح فريق بحثي ممول من معاهد الصحة الوطنية الأميركية (NIH)، بقيادة د.
إريكا أولمان سافير من معهد لا جولا لعلم المناعة، في عزل وتحديد أول مجموعة شاملة من الأجسام المضادة البشرية التي تستهدف فيروس الحصبة، مما يشكّل أساسًا لتطوير علاج للحصبة.
تمكّن الفريق البحثي من عزل خلايا الذاكرة البائية — وهي الخلايا المناعية التي تحتفظ بـ»ذاكرة» طويلة الأمد للعدوى أو التطعيمات السابقة — من متبرع تم تطعيمه ضد الحصبة ثلاث مرات.
ومن هذه الخلايا، تم تصميم وتنقية أكثر من 100 جسم مضاد أحادي النسيلة بشري، يستهدف كل منها موقعًا محددًا على فيروس الحصبة.
وتمثل هذه الدراسة تحولًا مقارنةً بما كان سائدًا، إذ اعتمدت البحوث السابقة بشكل كبير على الأجسام المضادة للفئران وطرق غير مباشرة، مما جعل استجابة الأجسام المضادة البشرية غير مفهومة بشكل كافٍ وغير موصوفة بنيويًا.
وأنتج العلماء أول خرائط بنيوية بدقة ذرية للأجسام المضادة البشرية المرتبطة ببروتينات فيروس الحصبة، باستخدام تقنية المجهر الإلكتروني فائق البرودة (Cryo-EM)، وحددوا تسعة مواقع متميزة على بروتيني سطح الفيروس، وهما الهيماغلوتينين (H) وبروتين الاندماج (F)، التي تستهدفها الأجسام المضادة.
وكشفت نتائج الدراسة أن الأجسام المضادة لكلا البروتينين H وF توفر حماية قوية ومستقلة، متحديةً الاعتقاد السائد بأن الحماية من الحصبة تعتمد بشكل شبه حصري على الأجسام المضادة التي تستهدف بروتين H، بينما تلعب الأجسام المضادة لبروتين F دورًا ثانويًا.
كما أظهرت النتائج أن أحد الأجسام المضادة التي تستهدف بروتين F، والمسمّى (4F09)، خفّض مستويات فيروس الحصبة في رئتي الفئران المصابة إلى مستويات غير قابلة للكشف تمامًا، وكان من بين الأكثر فعالية في الحماية ضمن هذه الدراسة، حيث يعمل عن طريق تثبيت بروتين F في مكانه، مانعًا التغير البنيوي الذي يحتاجه الفيروس لاختراق الخلايا البشرية.
فيما تستهدف الأجسام المضادة الواقية التي تم تحديدها مناطق في الفيروس تبدو متطابقة تقريبًا في جميع سلالات الحصبة المعروفة المنتشرة عالميًا، مما يشير إلى أن الفيروس قد لا يتمكن من التحور بشكل كافٍ للإفلات من هذه الأجسام المضادة والبقاء على قيد الحياة.
وأكد د.
جيفري ك.
تاوبنبرغر، المدير بالإنابة للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية التابع للمعاهد الوطنية للصحة، أن هذا البحث يقدم، ولأول مرة، صورة واضحة لأكثر الأهداف الواعدة للأدوية القائمة على الأجسام المضادة، والتي يمكن أن تحمي أو تعالج الأشخاص الذين لا يناسبهم التطعيم ضد الحصبة.
ويسعى العلماء الآن إلى إيجاد شركاء لإجراء البحوث والاختبارات المكثفة اللازمة لتحويل هذا الاكتشاف إلى دواء يمكن استخدامه كوقاية سريعة بعد التعرض للفيروس، وكعلاج للمصابين به.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك