عبّرت عدة جهات حقوقية عن مخاوفها من تواصل التصعيد، معتبرة أن الأزمة قد تتحول إلى مواجهة مفتوحة تهدد سير العدالة وتعمق حالة الاحتقان السياسي والحقوقي في البلاد.
تونس ـ «القدس العربي»: تشهد الساحة القضائية في تونس هذه الأيام توترا متصاعدا بين الهيئة الوطنية للمحامين ووزارة العدل، في أزمة تجاوزت حدود المطالب المهنية التقليدية لتتحول إلى مواجهة مفتوحة حول واقع القضاء وضمانات المحاكمة العادلة ومستقبل العلاقة بين السلطة التنفيذية ومختلف مكونات العدالة.
فالمشهد لم يعد مجرد خلاف إداري أو مهني عابر، بل أصبح يعكس حالة احتقان عميقة داخل الجسم القضائي والحقوقي، وسط تخوفات من انعكاسات هذا الصدام على صورة العدالة وثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
فقد أعلنت الهيئة الوطنية للمحامين سلسلة من التحركات الاحتجاجية شملت حمل الشارة الحمراء والإضرابات الجهوية والوطنية، مع التلويح بالتصعيد ومقاطعة بعض الدوائر القضائية التي تعتبرها الهيئة تسير مرفق العدالة بطريقة تتعارض مع القانون.
وفي المقابل أكدت وزارة العدل أن المحاكم ستواصل عملها بشكل عادي وأن تحركات المحامين لن تؤثر على سير مرفق العدالة أو مصالح المتقاضين.
هذه الأزمة لم تأت من فراغ، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من التوتر بين المحاماة والسلطة السياسية منذ سنوات، خاصة بعد التحولات الكبرى التي عرفتها تونس منذ 25 تموز/يوليو 2021، حين دخلت البلاد مرحلة سياسية جديدة أعادت تشكيل العلاقة بين السلطات والمؤسسات والهيئات المهنية.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت هيئة المحامين واحدة من أبرز الأصوات المنتقدة لما تعتبره «تراجعا في ضمانات استقلال القضاء وتضييقا على الحقوق والحريات».
يعتبر كثير من المحامين أن الأزمة الحالية تتجاوز المطالب المادية والمهنية، لتلامس جوهر العدالة نفسها.
فبيانات الهيئة الوطنية للمحامين تحدثت عن «استهداف ممنهج لحق الدفاع» وعن غلق أبواب الحوار مع سلطة الإشراف، وهو ما دفع القطاع إلى التصعيد عبر جلسات عامة استثنائية وإضرابات متتالية.
ويؤكد هؤلاء المحامون أن الدفاع عن المحاماة ليس دفاعا عن امتيازات فئوية، بل هو دفاع عن حق المواطن في محاكمة عادلة تتوفر فيها شروط الاستقلال والتوازن بين مختلف أطراف العملية القضائية.
بالمقابل، تبدو وزارة العدل متمسكة بخطاب يقوم على الحفاظ على استمرارية المرفق القضائي وعدم تعطيل مصالح المواطنين.
فالوزارة تؤكد أن الدولة لا يمكن أن تسمح بشلل المحاكم أو تعطيل القضايا، خاصة في ظل الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي تعيشه البلاد.
لذلك تحاول السلطة تقديم الأزمة باعتبارها خلافا قطاعيا لا يجب أن يتحول إلى أزمة وطنية أو إلى ضغط على مؤسسات الدولة.
لكن قراءة أعمق للمشهد تكشف أن جوهر الأزمة يتجاوز هذه العناوين الظاهرة.
فالمحاماة في تونس ليست مجرد مهنة حرة، بل لعبت تاريخيا دورا سياسيا ووطنياً محوريا.
فقد كان المحامون دائماً في قلب المعارك الوطنية والحقوقية، سواء خلال مقاومة الاستعمار أو خلال مواجهة الاستبداد في العقود السابقة.
كما لعبت هيئة المحامين دورا هاما خلال الثورة التونسية وما تلاها من انتقال سياسي.
ولذلك فإن أي صدام بين السلطة والمحاماة يأخذ دائماً أبعادا سياسية ورمزية تتجاوز الإطار المهني الضيق.
إن ما يزيد من حدة الأزمة الحالية هو شعور قطاع واسع من المحامين بأن السلطة التنفيذية تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد القضائي بطريقة تقلص من دور الهياكل الوسيطة ومن قدرة المهن القضائية على التأثير أو الاعتراض.
ولهذا يرى كثيرون أن المحاماة تخوض اليوم معركة دفاع عن موقعها داخل منظومة العدالة، وعن استقلاليتها التاريخية التي تعتبر جزءا من التوازن الديمقراطي داخل الدولة.
كما أن الأزمة تكشف هشاشة العلاقة بين مختلف مكونات الأسرة القضائية.
فالمفروض أن تقوم العدالة على شراكة متوازنة بين القاضي والمحامي وكتابة المحكمة وبقية المتدخلين في المرفق القضائي، لكن حالة الاحتقان الحالية تعكس وجود أزمة ثقة حقيقية بين هذه الأطراف.
وهذا الوضع قد تكون له تداعيات خطيرة على المتقاضين أنفسهم، لأن أول ضحايا الصراع داخل العدالة هو المواطن الذي ينتظر الإنصاف وحسن تطبيق القانون.
ومن بين النقاط التي أثارت جدلا واسعا مسألة تركيبة بعض الدوائر القضائية واحترام الإجراءات القانونية، وهي ملفات اعتبرتها هيئة المحامين من الأسباب المباشرة للتصعيد.
فالمحامون يرون أن احترام الإجراءات ليس مسألة شكلية، بل هو جزء أساسي من ضمانات المحاكمة العادلة.
بينما تعتبر السلطة أن بعض هذه الاعتراضات يتم توظيفها في إطار تصعيد سياسي أوسع.
كما أن غياب الحوار الجدي بين الطرفين ساهم في تعميق الأزمة.
فعادة ما يتم احتواء الأزمات المهنية عبر التفاوض وإيجاد حلول وسط تحفظ هيبة الدولة وتحمي في الوقت نفسه مطالب القطاع المعني.
لكن ما يحدث اليوم يوحي بانسداد واضح في قنوات التواصل، وهو ما يدفع نحو مزيد من التصعيد والاحتقان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك